آخر أخباررأيمستجداتموضوع الأربعاء

عيد الوحدة وعهد السيادة

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

تحمل الذكرى الأولى لعيد الوحدة التي أضحى المغرب يخلدها يوم 31 أكتوبر من كل سنة، دلالات سياسية وتاريخية عميقة، أكثر مما هي مناسبة وطنية جديدة تضاف إلى قائمة الأعياد الرسمية، لأنها تأتي في سياق التحول المهم الذي شكل منعطفا حاسما في مسار قضية الصحراء المغربية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تحمل عنوان تثبيت المكتسبات وتعزيز الوحدة الترابية وتحويل الانتصارات الدبلوماسية إلى واقع سياسي وتنموي مستدام.

فإقرار هذه المناسبة الوطنية في 4 نونبر 2025، التي تفضل جلالة الملك بتسميتها بـ (عيد الوحدة) “بما تحمله من دلالات وإحالات على الوحدة الوطنية والترابية الراسخة للمملكة. وسيشكل هذا العيد مناسبة وطنية جامعة للتعبير عن التشبث بالمقدسات الوطنية للمملكة وحقوقها المشروعة”، جاء عقب اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 في 31 أكتوبر من السنة نفسها، وهو القرار الذي عزز مكانة مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي نهائي ومتوافق عليه. وبذلك، لم يعد يوم 31 أكتوبر مجرد تاريخ مرتبط بمحطة دبلوماسية، بل أصبح موعدا سنويا لاستحضار مسار طويل من التضحيات والجهود الوطنية، وإمعان النظر في ما تحقق وما ينتظر المغرب من مسؤوليات في المرحلة المقبلة.

وتكمن أهمية عيد الوحدة في كونه يجمع بين الذاكرة الوطنية وتحديات المستقبل، بما يعزز ارتباط المغاربة بوحدتهم الترابية ويذكرهم بأن الذود عن الوطن لا يتوقف بتحقيق المكتسبات بل يتواصل من أجل حمايتها وضمان استدامتها.

لقد عرف ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة تحولات دبلوماسية مهمة، عززت موقع المغرب وسط المنتظم الأممي، ووسعت دائرة الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي. كما ساهم تطور مواقف عدد من القوى الدولية وافتتاح قنصليات أجنبية بمدينتي العيون والداخلة، في تمكن المغرب من الدفاع عن مقترحه، وفي إقناع عدد متزايد من الشركاء بواقعيته باعتباره الحل السياسي الأمثل لحل هذا النزاع المفتعل.

إلا أن مراكمة المزيد من المواقف المؤيدة، لم يعد كافيا لكسب الرهان اليوم، بل أصبح يرتبط بالقدرة على تحويل هذا الدعم إلى تقدم فعلي نحو التسوية النهائية. فإذا كان القرار الأممي رقم 2797 قد رسخ مبادرة الحكم الذاتي في المفاوضات، فإنه لا يعني خلو الطريق من الصعوبات للوصول إلى حل هذا النزاع المفتعل. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى تقوية الجبهة الداخلية ووضع تصور واضح لكافة القوى الحية للبلاد، حول كيفية تنزيل الحكم الذاتي في أقاليمنا الجنوبية باعتباره حلا مستقرا وقابلا للتفعيل وللاستمرار.

ويكتسب عيد الوحدة رمزيته القوية من كونه يعتبر امتدادا للذاكرة الوطنية لبلادنا. فإذا كانت المسيرة الخضراء قد جسدت التعبئة الوطنية من أجل استرجاع أقاليمنا الجنوبية، فإن عيد الوحدة يؤرخ لمرحلة جديدة من مسار القضية الوطنية تتجه نحو تثبيت المكتسبات وتعزيز مكانة المغرب الدولية واستمرار نعمة الاستقرار الدائم التي أنعم الله بها على الأمة المغربية.

إنهما مرحلتان متكاملتان في مسار تاريخي واحد وموحد، مرحلة استحضرت قوة الإجماع الوطني في الدفاع عن الوحدة الترابية، ومرحلة تفرض مواصلة العمل من أجل ترسيخ هذه الوحدة من خلال الدبلوماسية الناجعة والتنمية الشاملة والمتواصلة بمؤسسات قوية ومواطنة.

كما يمثل عيد الوحدة فرصة لتعزيز الحضور القوي لبلادنا في النقاش الدولي حول قضية الصحراء المغربية، من خلال التواصل مع القوى العالمية الحية المتمركزة في الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وتقديم المعطيات والحجج التي تشرح الموقف المغربي وتبرز أبعاد مقترح الحكم الذاتي. فالدبلوماسية اليوم أصبحت قائمة على المواقف الرسمية وفي الوقت ذاته تحتاج أيضا إلى إشراك الخبراء والباحثين ومغاربة العالم بالانخراط في هذا المشروع الوحدوي بالتعريف بقضيتنا الوطنية الأولى ورجاحة الطرح المغربي.

وفي هذا الإطار، تظل المحافظة على الدعم الدولي ومواصلة الانخراط في المسار الأممي وتطوير التصور المؤسساتي للحكم الذاتي وضمان شروط التنمية المستدامة بالأقاليم الجنوبية من أبرز أولويات المرحلة المقبلة. فالتحدي لا ينحصر فقط في الاحتفاء بما تحقق، بل في الحرص على تحويل المكاسب السياسية والدبلوماسية إلى تسوية نهائية للنزاع المفتعل حول الصحراء المغربية.

وفي المقابل يجب أن تظل تنمية الأقاليم الجنوبية أحد أهم المرتكزات التي أرسى دعائمها جلالة الملك من خلال النموذج التنموي لهذه الربوع الغالية من التراب الوطني، حيث ساهمت الاستثمارات في الطرق والموانئ والبنيات التحتية والطاقات المتجددة والخدمات الاجتماعية في تغيير ملامح الجهات الجنوبية الثلاث وتعزيز اندماجها في الاقتصاد الوطني. كما أن المشاريع والمبادرات التي أطلقها جلالة الملك، وفي مقدمتها المبادرة الأطلسية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الوصول إلى المحيط الأطلسي، تمنح الأقاليم الجنوبية دورا متزايدا في ربط المغرب بعمقه الإفريقي وفتح آفاق جديدة للتبادل والتعاون.

فالنموذج التنموي للأقاليم الجنوبية، كما دعا إليه جلالة الملك، لا يقاس فقط بحجم المشاريع وحده، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. وبالتالي تحويل الأقاليم الجنوبية إلى مجال تتكامل فيه البنيات التحتية مع جودة الخدمات والنمو الاقتصادي مع العدالة المجالية.

وهكذا، فالذكرى الأولى لعيد الوحدة تحمل رسالة واضحة مفادها أن الوحدة الترابية مسؤولية وطنية متجددة تتطلب العمل المتواصل والتعبئة الشاملة، للتشبث بالأرض التي صانها الأجداد بأرواحهم وبذلوا فيها الغالي والنفيس. فمجد الوطن ورهانات المستقبل يتطلبان اتحاد جميع القوى الحية بالبلاد في هذه المرحلة الدقيقة، لتثبيت المكتسبات ومواصلة الدفاع عن وحدتنا الترابية وبناء تنمية عادلة ومستدامة والتصدي لكل محاولات الخصوم التي تحاول المس بهذه الوحدة والتلاحم والاستقرار الذي تنعم بها بلادنا، والانخراط في تعزيز هذه الشيم الأصيلة المتجذرة في عمق التربة المغربية، وبالتالي الإسهام في صون هذه المكتسبات، وتعبيد الطريق أمام المرحلة المقبلة بكل عزم وثقة في المستقبل الآمن والمستقر في جميع ربوع المملكة من طنجة إلى الكويرة في إطار وطننا الموحد.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock