آخر أخبارحديث الأربعاءرأيمستجدات

من تقرير المصير إلى وحدة المصير

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس ــ

لم يسبق في تاريخ الهجومات ورمي المقذوفات على الأراضي المغربية بالصحراء، انطلاقا من الجزائر، أن ووجهت انتهاكات العصابة الجزائرية وميليشياتها المسلحة بهذا الكم الهائل والقدر الكبير من الإدانات والاستنكارات والشجب على أعلى صعيد دول العالم كالولايات المتحدة الأمريكية، ومن أكثر من منظمة مدنية وثقافية كالإسيسكو ورابطة العالم الإسلامي، وهيئة قارية كالاتحاد الأوروبي، وتجمع إقليمي كدول مجلس التعاون الخليجي، وهيئة دينية عالمية وازنة كمجلس حكماء المسلمين الذي يرأسه شيخ الأزهر الشريف. ورغم أن هذه الاعتداءات البائسة واليائسة لم تخلف خسائر تذكر في الأرواح أو في الممتلكات، مقارنة مع سابقاتها التي لم تحظ بهذا الاجماع على إدانتها، فإن نجاحها في استفزاز المجتمع الدولي واستنفاره لإعلان البراءة منها واستنكارها، وتأكيد التضامن الكامل مع المغرب في مواجهتها، يطرح أكثر من علامة استفهام عن سبب هذه القومة الدولية، وعلى قلب رجل واحد، وبخطاب متطابق ومتشابه ومشدد اللهجة في تسمية هذا الانتهاك بالعمل الإجرامي والعدواني والإرهابي، وفي إعلان الوقوف مع المغرب والتضامن معه، مع الإشارة الدالة والقوية إلى دعم استقراره وأمنه ووحدته الترابية التي تعتبر جهة السمارة ومدينتها جزءا منها، الأمر الذي فاجأ العصابة الحاكمة في الجزائر وميليشياتها المسلحة بالذهول والاهتزاز والتأتأة، وهي التي اعتادت العربدة في المنطقة وبنفس الغباء المتكرر، بدون حسيب ولا رقيب، مطمئنة إلى إفلاتها الدائم من عقاب القانون الدولي، بحجة أن ثمة حربا بين طرفين، وقضية شعب وكفاح ومقاومة وحركة تحرير ودولة احتلال ومسألة تصفية استعمار وحق تقرير مصير واستفتاء، وفاتها أن كل هذه المفردات المزورة والأقنعة البالية والمسوخ والمسوح، قد فرغ منها المجتمع الدولي وأنهاها ونسخها بقرار مجلس الأمن الدولي الأخير 2797 اعتماد مخطط الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلا دائما وشاملا وعادلا وواقعيا ونهائيا للنزاع المفتعل حول الصحراء.

اعتقدت العصابة الحاكمة في الجزائر أن انشغال المجتمع الدولي بالحرب الدائرة في الخليج والشرق الأوسط سيغطي على تحركاتها ومخططاتها في الظلام، لاستهداف الاستقرار والأمن والسلم في جوارها، وانتزاع مكاسب من تحريكها لميليشياتها الانفصالية على الحدود في غفلة من العالم، فارتد كيدها إلى نحرها، بأن جاءتها الصفعات المتتالية والمتصاعدة والمتسارعة واليقظة من كل أرجاء العالم، من الدول والمنظمات والأفراد والتجمعات، ومن غير أن يتحرك المغرب في اتجاهها، ولا أن يشكو ألما، أو يسأل تضامنا، أو يحشد أنصارا وداعمين، أو حتى يصدر بيانا عسكريا أو استنكاريا، أو بلاغا استنفاريا.

لقد أطلقت الجزائر وميليشياتها الانفصالية المسلحة بمقذوفاتها اليائسة الرصاص على أقدامها، وأحرقت بنيرانها أثوابها التي تجر بها ذيول الخيبة وسوء العاقبة، وكأن المغرب والعالم بأسره كانا ينتظران من العصابة الحاكمة في الجزائر وميليشياتها الانفصالية أن يتحركا بخطوة عدوانية واحدة في هذا الوقت بالذات الذي يعرف فيه ملف الصحراء المغربية طريقه نحو التسوية السلمية، عبر مفاوضات الحل السياسي التي تشارك فيها الجزائر ودميتها المتحركة، وقد انعقدت منها ثلاث جلسات برعاية أمريكية وأممية، في عز اندلاع الحرب في الخليج والشرق الأوسط، لاختبار مصداقية وجدية انخراطها في مسلسل السلام وفي المسار الأممي الجديد والجدي والواعد لحل النزاع المفتعل، وقد سقطت في هذا الاختبار سريعا وابتلعت الطعم، وأثبتت مرة أخرى بغبائها وعربدتها، التي تسميها بالقوة القاهرة والضاربة، أنها بدون وزن ولا هيبة ولا قيمة، وأنها ليست أهلا لأي ثقة دولية في خطابها المسالم الغادر، الذي تلقيه وتقذفه على المسامع لتنويمها، وتُتبعه في الآن والحال بمقذوفات عدوانية على المدنيين الآمنين في سربهم وبلدهم.

ثمة ثلاثة مستجدات كان حريا بالعصابة في عز تطاولها وتنطعها واستخفافها بالمجتمع  الدولي، واستهتارها بمسؤولياتها في النزاع المفتعل، أن تأخذها بعين الاعتبار قبل أن تقدم على ما ارتكبته من حماقات جديدة ومفضوحة، وهي التي ظلت تؤمن وتعتقد أن لا شيء تغير أو تحول في ملف نزاع الصحراء، وأن مقترح الحكم الذاتي لا حدث وخرافة، وفي أبعد تقدير حل من بين حلول أخرى سيطول سردها وتقليب النظر فيها، وتضمينها في قرارات أممية، تتبعها قرارات وتوصيات تحول بين تنفيذها عقبات ستوضع، وتنقسم الآراء والدول حولها بين مؤيد ورافض، ومصوت وممتنع، قبل العودة إلى نقطة الصفر، وإنهاك واستنزاف طاقة الجميع. المستجد الأول الذي أحدث تحولا في تدبير الملف هو قرار مجلس الأمن الدولي 2797 التاريخي الحاسم الذي جب ما قبله، وأسس لعهد ووضع جديدين، لا مكان فيهما بعد القرار لمثل الصبيانيات والعنتريات التي قامت بها العصابة وأزلامها من الميليشيا الانفصالية المرتزقة، بإعلان الحرب الجبانة على المغرب، ولهذا السبب وبناء على هذه المرجعية الملزمة، جاء هذا الفيض والسيل من الإدانات الدولية العارمة والشديدة للعدوان على مدينة السمارة، بما لم يتيسر القيام به قبل ستة أشهر وفي اعتداءات مماثلة، بل أشد، كانت العصابة تحسب أن تكرارها في هذه الظرفية وبعد تاريخ 30 أكتوبر 2025، سيواجه بنفس الحياد الدولي، وعدم الاهتمام.

المستجد الثاني هو تداعيات وتشابكات الحرب في الخليج التي اتخذت منحى دراميا خطيرا بعد تحريك إيران لميليشياتها المسلحة وأذرعها في المنطقة، للحرب بالوكالة عنها من العراق إلى اليمن فإلى الشام، واستعمال المضايق والطرق ومعابر الملاحة والتجارة الدولية سلاحا في الحرب والابتزاز، واستهداف الأمن والاستقرار الدوليين، وقطع شرايين الحياة، وعلى رأس هذه المعابر والمضايق معبرا هرمز وباب المندب، مع التفطن الدولي إلى التحذيرات المغربية القديمة من الصلات والروابط التي تجمع ميليشيا العصابة الجزائرية والنظام الإيراني، وكذا التصريحات الإيرانية بوصول أذرعها إلى غرب المتوسط وتحديدا إلى مضيق جبل طارق، إذ سرعان ما تم الربط بين تطورات الحرب في الخليج والتصعيد في منطقة غرب المتوسط والساحل الإفريقي، والاقتناع بالعلاقة العضوية بين هذه التهديدات المتزامنة للمعابر الدولية وللسلام والاستقرار الدوليين، ولذلك أصبح الهجوم على مدينة السمارة جزءا من مخطط الحلف الإيراني الجزائري لاستهداف أمن الشعوب ووحدتها الترابية وشراكات الدول ومصالحها العابرة للقارات والحدود.

أما المستجد الثالث فيتمثل في تسارع وتيرة البراءة من الميليشيا الانفصالية وشروع العديد من الدول المحايدة أو المنحازة للأطروحة الانفصالية في الصحراء المغربية، في تحيين معطيات النزاع وتطوراته، والانضمام إلى مسار الحل السياسي الأممي الداعم لمقترح الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، بما لزم عن ذلك سواء من سحب الاعترافات القديمة بجمهورية الوهم، أو طرد عناصر بوليساريو من أراضيها، أو توضيح موقفها الإيجابي من مغربية الصحراء، أو الإقدام على توقيع شراكات واتفاقيات تشمل الأقاليم الجنوبية المغربية، أو فتح قنصليات بها، أو التفكير في تصنيف بوليساريو حركة إرهابية وداعميها برعاة الإرهاب، الأمر الذي لم يعد يسمح للعصابة وميليشياتها بالاستفراد بالمغرب واستفزازه واستسهال تهديد أمنه ومصالحه واستقراره، دون استفزاز لسائر الدول الوازنة الشريكة في دعم الاستقرار والاستثمار في المنطقة.

إن ما تعتقده العصابة واهمة، بقصر نظرها، من قدرتها على التمادي في العربدة والعبث بالأمن الإقليمي، وتصعيد عملياتها العدوانية في المنطقة، دون مساءلة أو محاسبة وأداء للثمن، هو الحبل الذي تلفه على عنقها، وكلما تقدمت خطوة في التصعيد كلما انزلقت وانحدرت إلى المشنقة، ليتوحد مصيرها المشترك مع مصير ميليشياتها الانفصالية الهالكة، أو ليست هي من وحّد هذا المصير وجعله مشتركا؟ فمثلما أن العصابة الحاكمة في الجزائر لن تتخلى من باب المبادئ والكبرياء والعظمة عن ميليشيا بوليساريو، فإن بوليساريو لن يتخلى عنها وسيسحبها معه إلى قعر الجحيم، وساءت مستقرا ومصيرا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock