عاد ملف تكرير النفط بالمغرب إلى الواجهة، في ظل الارتفاع اللافت الذي تعرفه هوامش تكرير المشتقات النفطية في الأسواق الدولية، وما يترتب عن ذلك من انعكاسات محتملة على أسعار المحروقات وكلفة الاستهلاك بالمغرب وفق قراءة قدمها الحسين اليماني، الكاتب العام للنقابة الوطنية للبترول والغاز التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل ورئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول.
ويرى اليماني أن الاضطرابات التي شهدتها منشآت التكرير العالمية، بفعل تداعيات الحروب والصراعات الجيوسياسية، أدت إلى تراجع القدرة التكريرية في عدد من الأسواق، مقابل استمرار الطلب على المشتقات، خاصة الغازوال، وهو ما ساهم بحسب تقديره، في توسيع الفجوة بين أسعار النفط الخام وأسعار المنتجات المكررة.
ويشير إلى أن الأسواق الدولية سجلت خلال الأسبوع الجاري مستوى غير مسبوق وفق المعطيات التي استند إليها، بعدما اقترب سعر برميل النفط الخام من 90 دولارا في حين بلغ سعر برميل الغازوال الصافي حوالي 191 دولارا، أي بفارق يتجاوز 100 دولار بين المادة الخام والمنتج المكرر.
ويعتبر اليماني أن هذا الفارق يعكس الأهمية المتزايدة لهوامش التكرير في تحديد أسعار المشتقات النفطية، بعدما لم يعد سعر الخام وحده العامل المحدد لتكلفة الغازوال والبنزين وباقي المنتجات النفطية في الأسواق الدولية.
وفي الحالة المغربية، يربط النقابي هذه المعادلة بغياب قدرة التكرير المحلية، معتبرا أن اعتماد المغرب على استيراد المنتجات النفطية الجاهزة يجعل أسعار المحروقات المحلية أكثر ارتباطا بتقلبات سوق المشتقات المكررة، وليس فقط بتغيرات أسعار النفط الخام.
ويستند اليماني إلى مقارنة تقريبية بين أسعار الخام والغازوال، إذ يقدر سعر لتر النفط الخام بنحو 5.2 درهم، مقابل حوالي 10.2 درهم للتر من الغازوال معتبرا أن هذا الفارق يبرز حجم الكلفة الإضافية المرتبطة بتحويل النفط الخام إلى منتجات مكررة وشرائها من الأسواق الخارجية.
وبحسب تقديراته، يقترب الاستهلاك السنوي للمغرب من سبعة مليارات لتر من الغازوال، ما يعني أن الفارق المحسوب بين سعر المادة الخام والمنتج المكرر يمكن أن يمثل، وفق منهجيته في الحساب، أكثر من 35 مليار درهم سنويا بالنسبة للغازوال وحده دون احتساب البنزين ووقود الطائرات وباقي المشتقات.
ويحذر اليماني من أن استمرار ارتفاع كلفة المحروقات ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر وعلى تكاليف الإنتاج والنقل، وبالتالي على تنافسية المقاولات المغربية، خصوصا في ظل تحرير أسعار المحروقات ورفع الدعم عنها.
ومن هذا المنطلق، يدعو إلى إعادة النظر في السياسة الطاقية والصناعية للمغرب، معتبرا أن التحولات الجيوسياسية المتسارعة تفرض تعزيز ما يسميه “السيادة الطاقية والصناعية” وعدم الاقتصار على تأمين واردات المشتقات النفطية من الأسواق الخارجية.
ويضع النقابي إعادة تشغيل مصفاة سامير بالمحمدية في صدارة الحلول التي يقترحها، معتبرا أن استعادة نشاط التكرير يمكن أن توفر للمغرب هامشا أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق الدولية، وتعزز قدرته على تأمين احتياطاته من المنتجات النفطية.
ولا يحصر اليماني رهانه على إعادة تشغيل المصفاة في الجانب الطاقي فقط، بل يربطه أيضاً بالبعد الاقتصادي والاجتماعي، مشيرا إلى إمكانية استعادة آلاف مناصب الشغل المرتبطة بصناعة التكرير والأنشطة الاقتصادية المحيطة بها.
ويرى رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول أن مستقبل المحروقات بالمغرب لا ينبغي أن يرتبط فقط بمستوى أسعار النفط الخام في الأسواق الدولية، بل أيضا بقدرة البلاد على التحكم في مراحل من سلسلة القيمة النفطية، معتبرا أن إعادة الاعتبار لصناعة التكرير يمكن أن تشكل، من وجهة نظره، أحد الخيارات المطروحة للتخفيف من آثار تقلبات السوق وتعزيز الأمن الطاقي الوطني.

