تفرض ظاهرة الكلاب الضالة نفسها كواحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه عددا من المدن المغربية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بسلامة المواطنين والصحة العامة، وفي المقابل بما تثيره من نقاش حول طرق التعامل مع الحيوانات وحمايتها من الممارسات العشوائية. ومع دخول القانون رقم 19.25 حيز التنفيذ، ينتقل النقاش من مستوى المطالبة بإيجاد حلول إلى البحث في مدى قدرة النص القانوني على تقديم إجابات عملية لهذه الإشكالية.
في هذا الحوار، تقدم الأستاذة مريم صباحي، المستشارة القانونية ورئيسة المنظمة الاجتماعية لحماية الحيوانات ورئيسة المنتدى الاجتماعي للعدالة المناخية، رؤيتها لهذه الإشكالات، مؤكدة أن معالجة الظاهرة تتطلب الانتقال من الحلول الظرفية إلى سياسة عمومية مستدامة، تقوم على التعقيم والتلقيح والتتبع.

دخل القانون رقم 19.25 حيز التنفيذ، فهل تعتقدين أن مقتضياته الجديدة قادرة فعلا على الحد من ظاهرة الكلاب الضالة، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في طريقة تنزيله؟
أعتقد أن القانون 19.25 يمثل خطوة مهمة، لأنه وضع لأول مرة إطارا قانونيا متكاملا نسبيا لتدبير ظاهرة الحيوانات الضالة لكن في الوقت نفسه علينا ألا نحمل النص القانوني أكثر مما يستطيع.
القانون وحده لن يخفض أعداد الكلاب الضالة، لأن فعاليته ستتوقف أساسا على طريقة تنزيله على أرض الواقع، فنحن بحاجة إلى مراكز مؤهلة، وأطباء بيطريين، وفرق متخصصة، وموارد مالية كافية، وبرامج مستدامة للتعقيم والتلقيح والتتبع، وليس فقط إلى عمليات جمع ونقل الحيوانات من مكان إلى آخر.
والأهم من ذلك هو أن نعالج مصدر الظاهرة، أي التكاثر غير المتحكم فيه، لا أن نكتفي بمطاردة الحيوانات الموجودة في الشوارع. فإذا تعاملنا فقط مع الكلاب الموجودة حاليا، من دون الحد من التكاثر فإن المشكلة ستعود من جديد.
ولهذا أعتبر أن برنامج TNVR، أي الجمع والتعقيم والتلقيح ثم الإرجاع يجب أن يكون في قلب السياسة العمومية. نحن بحاجة إلى الانتقال من التدخلات الظرفية والموسمية إلى برنامج مستمر له أهداف واضحة ووسائل تنفيذ، وآليات للتتبع والتقييم.
القانون ينظم عمليات جمع وإيواء الحيوانات الضالة، كما يربط إطعامها أو إيواءها أو علاجها في الفضاءات العامة بالإطار القانوني. كيف يمكن أن ينعكس ذلك على الجمعيات وعلى المواطنين الذين اعتادوا إطعام هذه الحيوانات؟
أولا، أريد أن أصحح شيئا مهما في طريقة تقديم هذا المقتضى. لا ينبغي أن نختزل المادة 5 في عبارة “القانون يمنع إطعام الحيوانات في الشارع”، لأن هذه القراءة قد تخلق فهما خاطئا للنص.
المادة تربط الإطعام والإيواء والعلاج بأحكام القانون ونصوصه التطبيقية، وبالتالي فإن كيفية تنظيم هذه الممارسات تحتاج إلى إطار تنظيمي واضح يحدد الشروط والضوابط والمسؤوليات.
وهنا أعتقد أننا بحاجة إلى قدر كبير من العقلانية، فأنا لا أريد فوضى في إطعام الحيوانات، لأن الإطعام العشوائي قد يخلق بالفعل مشاكل صحية وبيئية، وقد يؤدي إلى تجمعات غير منظمة للحيوانات، خصوصا إذا لم يكن هناك تعقيم أو تتبع.
لكن في المقابل، لا أريد أيضا أن يتحول المواطن الذي يقدم الماء أو الطعام لحيوان جائع إلى شخص يشعر بأنه يرتكب جريمة لمجرد أنه حاول مساعدة حيوان.
المطلوب في رأيي، هو تنظيم الرحمة وليس إلغاء الرحمة، وإذا أردنا من المواطن ألا يتدخل بشكل عشوائي، فعلينا أن نوفر له بديلا واضحا يجب أن تكون هناك مراكز، وجهات يمكن التبليغ لديها، وخدمات بيطرية، وبرامج منظمة للرعاية حتى يعرف المواطن إلى أين يتجه عندما يجد حيوانا مريضا أو مصابا أو في وضعية تستدعي التدخل.
أما الجمعيات، فأرى أنها يجب أن تكون شريكا حقيقيا في تنزيل القانون، خصوصا الجمعيات التي راكمت خبرة ميدانية حقيقية في الإنقاذ والعلاج والتعقيم والتلقيح. هذه الخبرة لا ينبغي إقصاؤها بل يجب تنظيمها وتأطيرها والاستفادة منها.
هل يعني ذلك أنكم ترفضون تنظيم إطعام الحيوانات في الفضاء العام؟
أبدا. أنا مع التنظيم بل أعتقد أن التنظيم هو الحل، فالإطعام المنظم يمكن أن يكون جزءا من معالجة الظاهرة إذا تم ربطه بالتعقيم والتلقيح والتتبع، وإذا تم تحديد أماكن وشروط واضحة لممارسته عندما نعرف أين يتم الإطعام ومن يقوم به، وكيف يتم التعامل مع الحيوانات الموجودة في تلك الأماكن، يمكن أن يتحول الإطعام من ممارسة عشوائية إلى جزء من منظومة متكاملة.
ما أرفضه هو أن ننتقل من الفوضى إلى المنع المطلق من دون توفير البديل. لا يمكن أن نقول للمواطن: “لا تطعم”، ثم لا نقول له ماذا يفعل بالحيوان الجائع الموجود أمامه، أو بالحيوان المصاب الذي يحتاج إلى العلاج.
تحدثت عن برنامج TNVR. لماذا تعتبرينه محوريا في معالجة ظاهرة الكلاب الضالة؟
لأننا إذا أردنا معالجة الظاهرة فعلا، فعلينا أن نعالج التكاثر باعتباره أحد أهم أسباب استمرارها. جمع الكلاب من الشوارع وحده لا ينهي المشكلة، قد نقوم بجمع عدد كبير من الحيوانات من منطقة معينة، لكن إذا بقي التكاثر مستمرا، فإن المكان الذي أفرغناه من الكلاب سيملأ من جديد بعد فترة.
لهذا السبب، فإن التعقيم والتلقيح والتتبع والإرجاع المنظم يمكن أن تشكل مقاربة أكثر استدامة لمعالجة الظاهرة على المدى المتوسط والبعيد.
والأهم أن هذه الآليات ليست مجرد مقترح صادر عن جمعيات حماية الحيوانات. التعقيم والتلقيح والترقيم والإرجاع موجودة ضمن المنظومة التي أقرها القانون نفسه. لذلك لا أرى مبررا لانتظار النصوص التنظيمية حتى نبدأ في تطبيق هذه الإجراءات الأساسية. نحن نعرف ما الذي يجب أن نفعله وما نحتاجه الآن هو الإرادة والموارد والتنفيذ على نطاق واسع.
ولا يمكن أن نتحدث عن برنامج TNVR باعتباره حملة مؤقتة تنتهي بعد أسابيع أو أشهر. إذا أردنا نتائج حقيقية، فيجب أن يكون برنامجا وطنيا مستمرا مع قواعد للتتبع وتقييم النتائج ومعرفة المناطق التي تم التدخل فيها والأعداد التي خضعت للتعقيم والتلقيح.
في ظل استمرار انتشار الكلاب الضالة في عدد من المدن، من يتحمل مسؤولية تنفيذ القانون؟ وهل تتوفر الجماعات الترابية فعلا على الإمكانيات اللازمة لذلك؟
صحيح أن الجماعات الترابية ستكون في قلب عملية التنفيذ، لكنها لا تستطيع أن تنفذ قانونا من دون الإمكانيات الضرورية. لا يمكن أن نطلب من جماعة ترابية أن تعالج ظاهرة بهذا التعقيد ثم لا نوفر لها الوسائل البشرية والمالية والتقنية اللازمة.
يجب أن تكون هناك مواكبة حقيقية للجماعات الترابية، وليس فقط تحميلها المسؤولية القانون يحتاج إلى ميزانية وإلى موارد بشرية، وإلى تكوين، وإلى وسائل لوجستية، وإلى تنسيق بين مختلف المتدخلين.
ما موقع جمعيات حماية الحيوانات في هذه المنظومة؟ وهل يمكن أن تكون شريكا في تنفيذ القانون؟
الجمعيات تمتلك خبرة ميدانية مهمة، وهناك جمعيات اشتغلت لسنوات في الإنقاذ والعلاج والتعقيم والتلقيح، ولذلك يجب الاستفادة من هذه الخبرة ضمن إطار قانوني واضح وشفاف، مع تحديد المسؤوليات وآليات المراقبة. لكن في الوقت نفسه لا يمكن أن تحل الجمعيات محل الدولة والجماعات الترابية الجمعيات يمكن أن تكون شريكا لكنها لا تستطيع أن تتحمل وحدها مسؤولية تدبير ظاهرة وطنية بهذا الحجم.
ما الإجراءات العاجلة التي تطالبون بها حتى لا يبقى القانون مجرد إطار قانوني، خصوصا مع استمرار انتشار الكلاب الضالة ؟
هناك مجموعة من الإجراءات التي أعتبرها ضرورية وعاجلة. أولا، إطلاق برنامج وطني واسع ومستمر لـTNVR، وليس حملات موسمية محدودة، ويجب أن يكون لدينا تصور وطني واضح مع أهداف قابلة للقياس ومتابعة للنتائج.
ثانيا، الإسراع في تجهيز مراكز الرعاية وتأهيل المراكز الموجودة، وتوفير الموارد البشرية والبيطرية والمالية اللازمة لها. فلا يمكن الحديث عن تدبير حديث للظاهرة من دون بنية تحتية مؤهلة.
ثالثا، وضع نظام وطني للتعقيم والتلقيح والترقيم والتتبع حتى نتمكن من معرفة الحيوانات التي تم التعامل معها ومراقبة وضعيتها.
رابعا، إنشاء آلية واضحة وسريعة للتدخل في الحالات التي تشكل خطرا حقيقيا على المواطنين. لا يمكن أن نطلب من المواطن الصبر في مواجهة حيوان يشكل خطرا مباشرا بل يجب أن تكون هناك جهة قادرة على التدخل بسرعة ووفق القانون.
خامسا، إشراك الجمعيات الجادة والمختصين والأطباء البيطريين ومحبي الحيوانات في صياغة وتنفيذ السياسة العمومية والاستماع إلى الفاعلين الموجودين في الميدان يمكن أن يساعد على تفادي العديد من الأخطاء.
لكن هناك نقطة أعتبرها غير قابلة للتفاوض، وهي أننا لا يجب أن نعود إلى القتل العشوائي باعتباره حلا لظاهرة معقدة.
القتل قد يعطي انطباعا بأن المشكلة تمت معالجتها، لكنه لا يعالج جذورها إذا بقي التكاثر مستمرا المطلوب هو حل مستدام يحمي المواطن ويعالج الظاهرة من أساسها.
البعض يرى أن حماية الحيوان قد تأتي أحيانا على حساب سلامة المواطن. كيف تردين على هذا الطرح؟
المواطن له الحق في الأمن والسلامة، والحيوان له الحق في الحماية من التعذيب والقتل العشوائي، وهذان المبدآن لا يتعارضان إذا كانت لدينا سياسة عمومية عقلانية وفعالة. فعندما يكون هناك حيوان يشكل خطرا حقيقيا، يجب أن تتدخل المؤسسات لحماية المواطن، لا أحد يمكن أن يرفض ذلك لكن في المقابل عندما يكون هناك حيوان جائع أو مريض أو مصاب يجب أن تكون هناك منظومة تتكفل به بدل أن نتركه في الشارع أو نتعامل معه بالعنف.

