يشهد ملف المهاجرين في مدينة سبتة المحتلة تطورات مقلقة في ظل تصاعد مظاهر التوتر والاعتداءات التي طالت عددا من المهاجرين، من بينها إحراق أماكن إيوائهم ومحاولات التضييق على وصول المساعدات الإنسانية، فضلا عن مواجهات وقيود على الولوج إلى بعض الفضاءات التجارية.
وتزامنت هذه التطورات مع تداعيات موجة العبور الجماعي الأخيرة التي خلفت عشرات الضحايا، وسط تضارب في المعطيات حول أعداد القتلى والمفقودين.
وفي هذا الحوار، يتوقف عادل تشيكيطو رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان عند الأبعاد الحقوقية والإنسانية لما يجري، ومسؤولية السلطات الإسبانية والاتحاد الأوروبي.
كيف تقرؤون حقوقيا تصاعد التوتر والاعتداءات ضد المهاجرين في سبتة، خصوصا بعد إحراق مخيماتهم ووقوع مواجهات داخل المدينة ومنعهم من دخول بعض الأسواق التجارية؟
ما يجري في سبتة المحتلة يبعث على القلق، لأنه لم يعد يندرج فقط ضمن تدبير ملف الهجرة أو ضبط الحدود بل بدأت تظهر ممارسات عدائية تستهدف المهاجرين بشكل مباشر، وتتخذ في بعض الحالات طابعا عنصريا خصوصا مع تصاعد خطاب الكراهية والتنمر والازدراء.
وقد انتقلت هذه الممارسات إلى مستويات أكثر خطورة من خلال إحراق أماكن إيواء المهاجرين، ومحاولات عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، فضلا عن الاعتداءات والتضييق على وصولهم إلى بعض الفضاءات العامة والتجارية. وهذا الوضع يفرض طرح أسئلة جدية حول احترام مبدأ عدم التمييز شيورفض العقاب الجماعي، والتصدي لخطاب الكراهية والعنف.
وقد وثقت وسائل إعلام إسبانية ودولية، في 27 غشت، وقائع مرتبطة بإحراق وتخريب تجمعات يقيم فيها مهاجرون إلى جانب محاولة عرقلة وصول شاحنة للصليب الأحمر تحمل مساعدات قبل تدخل الشرطة.
ومن منظور حقوقي، لا يمكن تبرير هذه الأفعال باعتبارها مجرد احتجاجات للسكان لأن حرية الاحتجاج لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للمساس بسلامة الآخرين أو كرامتهم أو حقهم في الغذاء والمأوى والحماية.
هل تعتقدون أن الوضع في سبتة أصبح أزمة حقوقية وإنسانية تستدعي تدخلا أوروبيا وليس مجرد ملف أمني بين المغرب وإسبانيا؟
نعم نحن أمام أزمة ذات أبعاد إنسانية وحقوقية واضحة، وبالتالي لا يمكن اختزالها في مسألة أمنية مرتبطة بضبط الحدود بين المغرب وإسبانيا.
سبتة توجد تحت الإدارة الإسبانية، وإسبانيا جزء من الاتحاد الأوروبي، ولذلك فإن مسؤولية حماية الأشخاص الموجودين فوق ترابها وضمان ظروف استقبال تحفظ كرامتهم تقع أساسا على السلطات الإسبانية، كما أن الاتحاد الأوروبي مطالب بالتدخل عندما تتجاوز الأزمة إمكانيات التدبير المحلي، وهو ما نعتقد أنه حاصل في الوضع الحالي.
وقد عبرت منظمات حقوقية دولية عن مخاوف مماثلة، واعتبرت الوضع أزمة إنسانية وحقوقية داعية إلى توفير ظروف إيواء مناسبة، وضمان الوصول إلى المعلومات وإجراءات اللجوء.
لكن التدخل الأوروبي الذي نطالب به يجب ألا يقتصر على تعزيز المراقبة الأمنية للحدود. المطلوب هو اعتماد مقاربة تضع الإنسان في صلب المعالجة، من خلال توفير الحماية والإيواء والرعاية الصحية والغذاء وضمان حماية القاصرين، ومواجهة خطاب الكراهية والعنف العنصري إلى جانب احترام ضمانات اللجوء ومبدأ عدم الإعادة القسرية.
بمعنى آخر، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن ينتقل من مقاربة تركز على حماية الحدود فقط إلى مقاربة تجمع بين حماية الحدود وحماية الإنسان.
في ظل سقوط عشرات الضحايا خلال موجة العبور الأخيرة، هل أصبح فتح تحقيق مستقل ضرورة لتحديد المسؤوليات وكشف حقيقة ما وقع على جانبي الحدود؟
التحقيق المستقل في تقديرنا، أصبح ضرورة حقوقية لا تحتمل التأجيل، وليس مجرد مطلب سياسي. نحن أمام واقعة أوقعت عددا كبيرا من القتلى والمصابين، بينما ما تزال الأرقام والروايات والمعطيات متباينة.
وبحسب أحدث المعطيات التي تم تداولها، جرى الحديث عن 82 وفاة في الجانب الإسباني و14 وفاة أعلنت عنها السلطات المغربية، وهو ما يجعل الوصول إلى الحقيقة مسؤولية تجاه الضحايا وعائلاتهم قبل أن يكون موضوعا للخلاف بين الجهات المختلفة.
والتحقيق المطلوب يجب ألا يقتصر على تحديد المسؤول عن محاولة العبور وإنما ينبغي أن يعيد بناء الأحداث منذ بدايتها. فمن الضروري معرفة كيفية انتشار الدعوات والمعلومات التي دفعت هذا العدد الكبير من الأشخاص إلى محاولة العبور، وطبيعة التعليمات التي صدرت إلى القوات الأمنية على جانبي الحدود، ومدى تناسب استخدام القوة مع الوضع، فضلا عن تحديد ظروف الغرق والتدافع والإصابات، ومدى احترام قواعد الإنقاذ والإسعاف وكذا ظروف عمليات الإعادة عبر الحدود.
وينبغي أن يشمل التحقيق عملية تحديد هوية جميع الضحايا، والحفاظ على عينات الحمض النووي الخاصة بالجثامين التي لم يتم التعرف على أصحابها، وتمكين الأسر من الوصول إلى المعلومات والبحث عن أبنائها المفقودين.
ومن موقعنا في العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، نؤكد أن الحدود لا ينبغي أن تتحول إلى فضاء تتوزع فيه المسؤولية بين دولتين دون أن تتحمل أي جهة مسؤوليتها كاملة. عندما تسقط عشرات الأرواح يصبح الحق في الحقيقة والمساءلة والإنصاف حقا أصيلا للضحايا وعائلاتهم، ويتعين على الحكومتين المغربية والإسبانية ضمانه.

