دعت مذكرة مدنية موجهة إلى الأحزاب السياسية والمرشحات والمرشحين للانتخابات التشريعية لسنة 2026، إلى الانتقال من الخطاب الانتخابي العام إلى التزامات سياسية واضحة وقابلة للقياس، ووضع قضايا التنمية المستدامة والمناخ والرأسمال الطبيعي والسيادة الطاقية والغذائية في صلب البرامج الانتخابية والسياسات العمومية المقبلة.
وأوضحت المذكرة المدنية حول الانتخابات التشريعية لسنة 2026، المعنونة “من الخطاب الانتخابي إلى الالتزام السياسي القابل للقياس”، أن المغرب يتحرك في سياق دولي متسم بتزايد عدم اليقين الجيوسياسي وتراجع استقرار سلاسل القيمة، ما يفرض بحسب الوثيقة، تعزيز القدرة الوطنية على الصمود وتقليص التبعية الخارجية في القطاعات الحيوية، خاصة الطاقة والغذاء والتكنولوجيا.
وأكدت المذكرة أن المملكة تتوفر في المقابل على مؤهلات استراتيجية مهمة، من بينها موقعها الجغرافي، وإمكاناتها في مجال الطاقة الشمسية والريحية، وواجهتها البحرية، إضافة إلى تنوعها البيولوجي ومنظوماتها الإيكولوجية، معتبرة أن هذه الموارد تمثل رصيدا استراتيجيا يمكن أن يشكل أساسا للسيادة الوطنية وخلق الثروة وفرص الشغل.
غير أن الوثيقة حذرت من تحول هذه المؤهلات إلى مصدر للهشاشة في حال استمرار استغلالها دون رؤية طويلة الأمد، أو استنزافها بوتيرة تفوق قدرتها على التجدد، مشيرة إلى أن السيادة لا تعني مجرد امتلاك الموارد، وإنما الحفاظ عليها والتحكم في استعمالاتها وتحويل قيمتها بشكل مستدام إلى ثروة وطنية وترابية.
وانتقدت المذكرة ما وصفته بتشتت المسؤوليات وتوزيع الاختصاصات بين القطاعات الحكومية، معتبرة أن التحدي لم يعد يتمثل في وجود وزارة مكلفة بالبيئة، وإنما في إدماج المعايير البيئية والمناخية ومعايير الصمود والرأسمال الطبيعي في مختلف السياسات العمومية خصوصا الاقتصاد والمالية والفلاحة والطاقة والصناعة والتعمير.
وفي هذا السياق، طرحت الوثيقة سؤالا مركزيا على الأحزاب والمرشحين حول الجهة التي ينبغي أن تتحمل فعلياً مسؤولية الرأسمال الطبيعي داعية إلى اعتماد آلية مؤسساتية تضمن المسؤولية الحكومية الجماعية، والتحكيم بين القطاعات الوزارية وربط القرارات بالميزانيات والنتائج.
وبخصوص الاقتصاد الأزرق، اقترحت المذكرة تجاوز المقاربة التي تحصر الاقتصاد البحري في الصيد، والتفكير في إحداث وزارة للبحر والاقتصاد الأزرق تتولى التنسيق بين مختلف القطاعات المتدخلة في الفضاء البحري، بما يشمل الصيد وتربية الأحياء المائية والموانئ والنقل والسياحة والطاقات المتجددة والتكنولوجيات الحيوية.
وفي المجال الفلاحي، دعت الوثيقة إلى الانتقال من التركيز على رفع الإنتاج إلى اعتماد مقاربة تقوم على السيادة الغذائية وتجديد الموارد، من خلال حماية الماء والتربة والبذور وتنويع الإنتاج وتنظيم الأسواق، وتعزيز القيمة التي يحصل عليها المنتجون داخل سلسلة القيمة الغذائية.
أما في مجال الطاقة، فطالبت المذكرة بتسريع تنزيل الاستراتيجية الوطنية منخفضة الكربون 2050، واستكمال النصوص التنظيمية المرتبطة بالنجاعة الطاقية، وإعادة هيكلة الوكالة المغربية للنجاعة الطاقية، مع اقتراح توحيد جهود قطاعات الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة والنقل والتنقل لتسريع إزالة الكربون وتقليص الاعتماد على النفط المستورد.
واقترحت الوثيقة تعزيز الموقع المؤسساتي للتنمية المستدامة والمناخ والرأسمال الطبيعي عبر إحداث قطب حكومي قادر على التحكيم بين القطاعات واعتماد قانون-إطار حول الرأسمال الطبيعي والأمن الحيوي وخدمات النظم البيئية، إلى جانب تحويل الاستراتيجية وخطة العمل الوطنية للتنوع البيولوجي 2035 إلى التزامات قطاعية قابلة للقياس.
وفي ما يتعلق بالبحث العلمي والبيانات، دعت المذكرة إلى إنشاء نظام وطني موحد للمعلومات حول التنوع البيولوجي وفرض إيداع ونشر البيانات الناتجة عن الدراسات الممولة من المال العام، مع تعزيز الربط بين الجامعات ومؤسسات البحث وصناع القرار، وإحداث مرصد وطني و12 مرصدا جهويا للتنوع البيولوجي.
وعلى المستوى المالي، تقترح الوثيقة تغيير نموذج تمويل التنوع البيولوجي، عبر الانتقال من تمويل المشاريع المؤقتة إلى استثمارات متعددة السنوات في الرأسمال الطبيعي وربط الإنفاق العمومي بمؤشرات ونتائج قابلة للقياس، إلى جانب مراجعة الإعانات والحوافز التي قد تساهم في استنزاف الموارد الطبيعية أو الإضرار بالبيئة.

