آخر أخبارتقاريرسياسة

تقرير: ضعف الوساطة السياسية يوسع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات بالمغرب

رصدت ورقة بحثية بعنوان “تجنب القطيعة: إعادة بناء الوساطة والثقة والمسؤولية السياسية في المغرب” مظاهر ما وصفته بأزمة في مؤسسات الوساطة السياسية بالمغرب، معتبرة أن الإشكال لا يرتبط بغياب المؤسسات، بقدر ما يتصل بضعف قدرتها على نقل مطالب المواطنين إلى دوائر القرار، وإنتاج السياسات وتفسيرها وتحمل مسؤولية نتائجها.

وتضع الورقة، الصادرة عن المركز الأفريقي للدراسات والتحليل الاستراتيجي (CAESD)، الذي توصلت “رسالة24” بنسخة منه، مسألة الثقة في المؤسسات السياسية في صلب النقاش، مستندة إلى مجموعة من المؤشرات التي ترسم، بحسب معديها، فجوة بين استمرار التأييد للمبدأ الديمقراطي وبين مستوى الثقة في المؤسسات الوسيطة.

وفي هذا السياق، تشير الورقة إلى أن 68 في المائة من المغاربة يؤيدون نظاما برلمانيا تعدديا، مقابل ثقة لا تتجاوز 33 في المائة في الحكومة و38 في المائة في البرلمان، وهو ما تعتبره مؤشرا على أن الأزمة ترتبط أساسا بالأداء والتمثيل والاستجابة، وليس برفض الديمقراطية في حد ذاتها.

وترى الورقة أن المشهد الحزبي يشكل أحد أبرز مظاهر هذه الأزمة، إذ إن التعدد التنظيمي لم ينعكس، وفق تشخيصها، على مستوى كاف من الاختلاف السياسي والبرنامجي.

و تشير إلى تراجع أدوار الأحزاب باعتبارها فضاءات لتكوين النخب وإنتاج الأفكار، في ظل تراكمات مرتبطة بإعادة تركيب النخب والهندسة الانتخابية وتزايد عدد التنظيمات، فضلا عن قبول بعض القيادات الحزبية بقواعد سياسية تضمن الحضور أكثر مما تضمن الاستقلالية.

وتضيف الورقة أن هذا الوضع أفرز أحزابا متقاربة في الخطاب والتحالفات، مع تراجع قدرتها على تقديم تصورات سياسية متنافسة بشأن ملفات اقتصادية واجتماعية، من قبيل التعليم والحماية الاجتماعية والتحول الرقمي، الأمر الذي جعل المواطن، بحسب التقرير، يواجه صعوبة أكبر في تحديد الجهة التي تتخذ القرار والجهة التي تنفذه وتلك التي ينبغي محاسبتها.

وفي الجانب البرلماني، تستند الورقة إلى دراسة منشورة سنة 2024 في مجلة Political Science Research and Methods، تناولت أكثر من 27 ألف سؤال برلماني مكتوب خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2016، وخلصت، في الحالات التي درستها، إلى أن الوزراء التقنوقراط كانوا أقل احتمالا للإجابة عن الأسئلة البرلمانية بما يتراوح بين 26 و32 نقطة مئوية مقارنة بالوزراء المنتمين إلى الأحزاب.

وترى الورقة أن هذه المعطيات تثير بدورها إشكالية وضوح سلسلة المسؤولية السياسية، خصوصا عندما يتم إسناد تدبير قطاعات حكومية إلى مسؤولين لا يرتبطون، بالدرجة نفسها، بمسار سياسي واضح يسمح بتحديد المسؤوليات ومساءلتها.

وفي موازاة ذلك، يرصد التقرير التحول الذي طرأ على علاقة المواطنين بالمجال العام بفعل الانتشار الواسع للإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

ويشير إلى أن 91 في المائة من المغاربة يستخدمون الإنترنت، بينما تصل المشاركة في شبكات التواصل الاجتماعي إلى 99.2 في المائة من مستعملي الإنترنت، ما جعل الفضاء الرقمي مجالا رئيسيا للتعبير وتبادل المواقف والتعبئة.

وتعتبر الورقة أن صعود هذا الفضاء كشف، في الوقت نفسه، محدودية بعض قنوات الوساطة التقليدية، مستحضرة نماذج من التعبئة الرقمية، من بينها حركة GenZ212، باعتبارها مثالا على قدرة المجال الرقمي على إنتاج النقاش والتعبئة قبل مرور المطالب عبر القنوات المؤسساتية المعتادة.

غير أن التقرير يحذر من اعتبار التواصل الرقمي المباشر بديلا عن الديمقراطية التمثيلية، مشيرا إلى أن المنصات والخوارزميات والمؤثرين يمكن أن يتحولوا بدورهم إلى وسطاء جدد، من دون أن يخضعوا بالضرورة للمستوى نفسه من المساءلة السياسية والمؤسساتية.

ولا يقف التقرير عند تشخيص الأزمة، بل يقترح إعادة بناء الوساطة السياسية على أساس ما يسميه “الديمقراطية المستمرة”، من خلال توسيع آليات مشاركة المواطنين، بما يشمل العرائض والملتمسات والمجالس المواطنة والميزانية التشاركية والمنصات الرقمية، مع تحديد الجهة المسؤولة عن معالجة المقترحات، ووضع آجال واضحة للرد، ونشر أثر المشاركة على القرارات العمومية.

ويمنح التقرير للذكاء الاصطناعي دورا مساعدا في تحسين قدرة المؤسسات على الإنصات للمواطنين، عبر تنظيم وتحليل المساهمات المتفرقة واستخراج القضايا المتكررة والناشئة، مع التأكيد على أن هذه الأدوات لا ينبغي أن تحل محل القرار السياسي والبشري، وأن استخدامها يتطلب ضمانات مرتبطة بالشفافية وحماية المعطيات.

ويربط التقرير هذه الإصلاحات بأفق زمني يمتد إلى سنة 2035، مع اعتبار الفترة بين 2027 و2030 مرحلة تأسيسية لإعادة بناء الثقة وإصلاح المؤسسات، على أن تكون الفترة بين 2031 و2035 موجهة لترسيخ الإصلاح وقياس أثره.

وفي استشرافه للمسارات الممكنة، يضع التقرير أمام المغرب ثلاثة احتمالات: ترميم مؤسسي يعيد بناء الثقة، أو إدارة للانطباع تؤجل الإصلاحات الحقيقية، أو قطيعة متراكمة تظهر في العزوف والهجرة والاحتجاج غير المؤطر.

ويخلص التقرير إلى أن التحدي الأساسي لا يكمن فقط في ضعف الوساطة، وإنما في خطر تحولها من قناة لنقل مطالب المجتمع وإنتاج الحلول إلى حاجز يحجب الواقع ويضعف وضوح المسؤولية. وفي المقابل، يشدد على أن حماية المؤسسات لا تتحقق بحجب الاختلالات عنها، وإنما بضمان وصولها إليها عبر قنوات مؤسسية قادرة على التشخيص المبكر والمعالجة والمساءلة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock