أعاد استمرار ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء في السوق المغربية طرح إشكالية فعالية التدابير الحكومية المتخذة لتوفير العرض والحد من ارتفاع الأسعار، في وقت لا تزال فيه أثمان عدد من أنواع اللحوم تفوق القدرة الشرائية لشريحة واسعة من المواطنين، رغم اللجوء إلى الاستيراد ومنح إعفاءات ضريبية وجمركية بهدف تخفيف كلفة المنتوج المستورد.
وفي هذا السياق، قال عبد الحق بوتشيشي، المستشار الفلاحي المعتمد لدى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، في تصريح لـ”رسالة24″، إن استمرار ارتفاع أسعار اللحوم قبل عيد الأضحى وبعده يؤكد أن التدابير المتخذة لم تحقق بالشكل المطلوب الهدف الأساسي منها، والمتمثل في جعل المستهلك يستفيد مباشرة من انخفاض كلفة الاستيراد.
وأوضح بوتشيشي أن الحكومة اتخذت مجموعة من الإجراءات من بينها إعفاء الأبقار والعجول المستوردة من بعض الرسوم والضرائب، إلى جانب فتح المجال أمام استيراد اللحوم الحمراء وذلك بهدف تعزيز العرض والضغط على الأسعار غير أن هذه التدابير حسب المتحدث، لم تنعكس بالقدر الكافي على السعر النهائي الذي يؤديه المواطن.
وسجل أن أسعار اللحوم تختلف بشكل كبير من منطقة إلى أخرى ومن نوع إلى آخر، إذ يمكن أن تتراوح بحسبه، بين 80 و120 و130 درهما للكيلوغرام بينما تصل بعض القطع ذات الجودة العالية إلى مستويات أكبر مشيرا إلى أن بعض أنواع الفيليه على سبيل المثال يمكن أن تتجاوز 170 درهما للكيلوغرام.
ويرى المستشار الفلاحي أن الإشكال لا يرتبط فقط بكلفة الاستيراد، وإنما أيضا بمسار المنتوج منذ دخوله إلى البلاد وصولا إلى المستهلك معتبرا أن غياب مراقبة دقيقة لمختلف حلقات التسويق والتوزيع يسمح بوجود هوامش ربح مرتفعة لدى بعض المتدخلين.
وقال إن الإجراءات التي اتخذتها الدولة كان يفترض أن تصب في صالح المستهلك، خصوصا أن الدولة تتحمل كلفة الإعفاء من الرسوم الجمركية وبعض الضرائب، غير أن المواطن لا يشعر بشكل واضح بأثر هذه الإعفاءات على السعر النهائي.
وأضاف أن اللحوم التي تخرج من المجازر وتصل إلى محلات الجزارة تحتاج إلى تتبع ومراقبة لمسارها، حتى يتم التأكد من أن الامتيازات الممنوحة للاستيراد لا تتحول إلى منفعة لفئة محدودة من المتدخلين على حساب القدرة الشرائية للمواطن.
وبحسب بوتشيشي، فإن معالجة ارتفاع أسعار اللحوم لا يمكن أن تقوم على الاستيراد وحده، لأن الاستيراد يظل إجراء ظرفيا لتغطية الخصاص والحفاظ على توازن العرض والطلب لكنه لا يعالج أصل المشكلة المتمثلة في ضعف القطيع الوطني وارتفاع كلفة الإنتاج.
وأكد أن المطلوب هو تفعيل مراقبة حقيقية للسوق، إلى جانب التفكير في آليات لتسقيف أسعار اللحوم المستوردة حتى تكون الإعفاءات التي تمنحها الدولة مرتبطة بانعكاس واضح ومباشر على السعر الذي يدفعه المستهلك.
كما دعا إلى إلزام المتدخلين بإشهار بلد منشأ اللحوم بشكل واضح، حتى يعرف المواطن ما إذا كان المنتوج الذي يشتريه محليا أم مستوردا، مع ضرورة ضمان شفافية أكبر في عملية التسويق.
وشدد على أن وجود منتوج مستورد استفاد من إعفاءات جمركية وضريبية، ثم وصوله إلى المستهلك بسعر مرتفع، يطرح سؤالا حول مدى استفادة المواطن فعليا من هذه الإجراءات، معتبرا أن الغاية من الإعفاءات يجب أن تكون واضحة، وهي تخفيف كلفة المنتوج وليس فقط تحسين هوامش الربح داخل سلسلة التوزيع.
وفي ما يتعلق بالأغنام، أوضح بوتشيشي أن السماح بالاستيراد يمكن أن يساهم في توفير عرض إضافي وتخفيف الضغط عن القطيع الوطني، لكنه لن يكون حلا دائما لارتفاع الأسعار.
وأشار إلى أن كلفة الخروف المستورد ظلت مرتفعة، خصوصا في ظل استمرار بعض الرسوم والضرائب ما يجعل أثر الاستيراد على السعر النهائي محدودا.
وبحسبه، فإن الاستيراد يمكن أن يؤدي دورا في خلق توازن مؤقت في السوق، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الإنتاج الوطني لأن الحل الحقيقي يكمن في إعادة بناء القطيع المحلي وتقوية قدرات المربين على الإنتاج.
وتأتي هذه الملاحظات في وقت تؤكد فيه المعطيات الرسمية أن الدولة شرعت في برنامج لإعادة تكوين القطيع الوطني، حيث شملت عملية الترقيم التي استكملت في نهاية 2025 نحو 32.3 مليون رأس، مع تخصيص دعم مباشر للمربين وفق عدد الرؤوس ونوع الحيوانات.
ويعتبر بوتشيشي أن أحد أهم المفاتيح لإعادة بناء القطيع الوطني يتمثل في الحفاظ على الإناث المخصصة للتناسل، باعتبارها الأساس الذي يسمح بزيادة أعداد القطيع خلال السنوات المقبلة.
وأوضح أن البرامج السابقة لإعادة تشكيل القطيع كانت تتضمن تدابير لتشجيع المربين على عدم ذبح الإناث الصغيرة المخصصة للتناسل، إلى جانب دعم الأعلاف والحفاظ على الإناث غير أن غياب أو تراجع بعض هذه الآليات يطرح، حسب رأيه، تحديات حقيقية أمام عملية إعادة تكوين الثروة الحيوانية.
وأكد أن ذبح الإناث بشكل مفرط يعني عمليا استنزاف القدرة المستقبلية على إنتاج القطيع، لأن المحافظة على أعداد الرؤوس لا تكون فقط من خلال شراء واستيراد حيوانات جديدة، وإنما بالدرجة الأولى من خلال ضمان التكاثر الطبيعي والمحافظة على الإناث القادرة على الإنجاب.
ودعا، في هذا الإطار، إلى وضع برامج تشجع الكسابة على الاحتفاظ بالإناث، سواء بالنسبة للأبقار أو الأغنام، وتطوير برامج التهجين والتزاوج بين السلالات بهدف تحسين الإنتاجية والرفع من مردودية القطيع الوطني.
وتوقف بوتشيشي عند أرقام القطيع الوطني، مشيرا إلى ضرورة قراءة المعطيات الإحصائية بشكل دقيق وعدم الاكتفاء بالرقم الإجمالي للماشية، لأن المهم هو معرفة تركيبة القطيع وتوزيعها بين الذكور والإناث والحيوانات الموجهة للتناسل والتسمين والذبح.
وأشار إلى أن أعداد الأبقار تظل محدودة مقارنة بحجم حاجيات السوق، لافتا إلى أن الحديث عن نحو مليون ونصف رأس من الأبقار، بمختلف أصنافها يفرض التفكير في كيفية رفع العدد وتحسين تركيبته خصوصا أن الأبقار تمثل مكونا أساسيا في تموين السوق باللحوم الحمراء.
وتشير المعطيات الرسمية إلى أن الأبقار تمثل حوالي 80 في المائة من استهلاك اللحوم الحمراء في المغرب، وهو ما يفسر أهمية إعادة بناء هذا الجزء من القطيع بالنسبة إلى استقرار السوق الوطنية.
وأضاف أن التركيز يجب ألا يكون فقط على عدد الحيوانات، وإنما أيضا على جودة السلالات وقدرتها على التناسل وإنتاج اللحوم، داعيا إلى اعتماد برامج للتهجين بين السلالات وتحسين القدرات الإنتاجية للقطيع.
وبخصوص حاجيات السوق، يرى بوتشيشي أن الاعتماد على أعداد محدودة من الأغنام لا يمكن أن يضمن في الوقت نفسه تلبية الطلب المرتفع خلال عيد الأضحى وتموين السوق باللحوم على مدار السنة.
وأوضح أن الحديث عن توفير ما بين 8 و9 ملايين رأس خلال فترة عيد الأضحى لا ينبغي أن يقود إلى اعتبار المشكلة قد حلت، لأن السوق تحتاج إلى قطيع قادر على ضمان استمرارية التموين بعد العيد أيضا.
وكانت المعطيات الرسمية الخاصة بعيد الأضحى 1447 هـ قد أشارت إلى عرض وطني من الأغنام والماعز يتراوح بين 8 و9 ملايين رأس مقابل طلب يقدر بـ6 إلى7 ملايين رأس.
ومن هذا المنطلق، شدد المستشار الفلاحي على ضرورة رفع عدد الإناث القادرة على التناسل، باعتبار ذلك السبيل إلى تحقيق نمو مستدام للقطيع، بدلا من انتظار مواسم الطلب المرتفع ثم اللجوء إلى حلول ظرفية.
ومن بين المقترحات التي طرحها بوتشيشي إنشاء وحدات متخصصة في التسمين والإنتاج، تكون مهمتها توفير حيوانات موجهة للمجازر والسوق الوطنية وفق منظومة إنتاج منظمة.
ويرى أن تطوير هذا النوع من الوحدات يمكن أن يساعد على تنظيم سلسلة الإنتاج وتقليص الاختلالات الموجودة بين مرحلة التربية ومرحلة الذبح والتوزيع كما يمكن أن يساهم في ضمان تموين أكثر انتظاما للسوق.
ودعا إلى تشجيع المربين على اعتماد أساليب حديثة في التربية والتسمين والتهجين، وعدم الاقتصار على طرق تقليدية قد تحد من الإنتاجية وترفع كلفة الإنتاج.
ويضع بوتشيشي ملف الأعلاف في قلب معادلة أسعار اللحوم، مؤكدا أن أي حديث عن خفض أسعار اللحوم دون معالجة كلفة التغذية سيظل ناقصا.
وأوضح أن الأعلاف تشكل جزءا أساسيا من تكلفة تربية الماشية، وبالتالي فإن ارتفاع أسعارها ينعكس بشكل مباشر على تكلفة الحيوان ثم على سعر اللحوم عند وصولها إلى المستهلك.
ودعا إلى تطوير طرق وتقنيات حديثة لإنتاج الأعلاف، والبحث عن حلول تقلص كلفة التغذية بالنسبة إلى الكسابة لأن دعم القطيع لا يمكن أن يحقق أهدافه إذا ظل المربي يواجه تكاليف مرتفعة في الأعلاف.
وأكد أن معالجة كلفة الأعلاف ينبغي أن تكون جزءا من سياسة شاملة لإعادة بناء القطيع وليس ملفا منفصلا عن باقي عناصر المنظومة.
ويخلص بوتشيشي إلى أن معالجة أزمة اللحوم الحمراء تتطلب الانتقال من التدابير الظرفية إلى سياسة وطنية متكاملة تمتد على المدى القصير والمتوسط والطويل.
فعلى المدى القصير، يرى أن الأولوية يجب أن تكون لمراقبة السوق، وتتبع مسار اللحوم المستوردة، وتسقيف الأسعار عند الحاجة، وإشهار بلد المنشأ وضمان وصول أثر الإعفاءات إلى المستهلك.
أما على المدى المتوسط، فيتعين بحسبه، دعم الكسابة وتشجيعهم على الاحتفاظ بالإناث، وتطوير برامج التهجين والتكاثر، وإنشاء وحدات متخصصة في التسمين والإنتاج.
وعلى المدى الطويل، ينبغي إعادة بناء القطيع الوطني بشكل يضمن قدرة الإنتاج المحلي على تغطية حاجيات السوق، وتقليص الارتهان للاستيراد كلما ارتفع الطلب أو حدث نقص في الإنتاج.
وأكد بوتشيشي أن المغرب لا يحتاج فقط إلى زيادة عدد رؤوس الماشية، وإنما إلى إعادة النظر في تركيبة القطيع، وتحسين السلالات ورفع الإنتاجية، وضمان توفر الأعلاف وتنظيم سلسلة التوزيع، ومراقبة الأسعار.
وختم بالتأكيد على أن استقرار أسعار اللحوم الحمراء لن يتحقق من خلال إجراء واحد، سواء تعلق الأمر بالاستيراد أو الإعفاءات، وإنما يحتاج إلى حوار يجمع الحكومة والمهنيين والمختصين، من أجل تحديد حاجيات السوق ووضع سياسة واضحة لإعادة تشكيل القطيع الوطني وضمان تموين السوق بأسعار تراعي في الوقت نفسه مصلحة الكسّاب والمهني والمستهلك.

