آخر أخبارتقاريرمجتمعمستجدات

برنامج الحكومة تحت مجهر الخبراء… تعهدات اجتماعية طموحة واختبار التمويل والتنفيذ

يضع البرنامج الحكومي المغربي للفترة 2026-2031 أمام الحكومة الجديدة اختبارا يتجاوز الإعلان عن الأولويات إلى القدرة على تحويل التعهدات الاجتماعية والاقتصادية إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس في ظل تحديات مرتبطة بتمويل الالتزامات، وضبط عجز الميزانية، ورفع وتيرة النمو، وتقليص الفوارق المجالية.

وتخلص قراءة تحليلية للمركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية (CAESD)، في تقريره الصادر خلال أكتوبر 2026 بعنوان “البرنامج الحكومي 2026-2031: من تعاقد الأولويات إلى اختبار التنفيذ”، إلى أن القيمة الفعلية للبرنامج ستتحدد بمدى قدرة المؤسسات على الوفاء بالتعهدات المعلنة وليس بمجرد عدد المشاريع والأهداف المدرجة فيه.

ويأتي هذا التقييم عقب تقديم رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان في 19 أكتوبر 2026، طبقا للفصل 88 من الدستور. ووفق المعطيات الواردة في التقرير التحليلي، يستند البرنامج إلى أغلبية برلمانية تضم أربعة أحزاب، تتوفر على 207 مقاعد من أصل 395 بمجلس النواب، أي ما يعادل 52.4 في المائة من مجموع المقاعد، وهو ما يمنحها أغلبية مطلقة، وإن بهامش محدود مقارنة بالنصاب المطلوب.

74 هدفا كميا وأسئلة بشأن قابلية القياس

يرصد المركز وفق التقرير، تحولا في منطق بناء السياسات الحكومية، من التركيز على حجم الاستثمار إلى الإنتاجية والتشغيل ومن توسيع التغطية الاجتماعية إلى تحسين جودة الخدمات، ومن تقديم الدعم المالي إلى تعزيز الإدماج الاقتصادي، فضلا عن الانتقال من التدبير القطاعي المنفصل إلى تنسيق السياسات العمومية، وربط تقييمها بالنتائج المحققة.

وتكشف قراءة المركز للنسخة الكاملة من البرنامج، التي تتكون من 127 صفحة، عن وجود 74 هدفا كميا، مقابل 25 هدفا وردت في العرض المقدم أمام البرلمان. غير أن التقرير يلفت إلى أن 20 هدفا فقط من مجموع الأهداف الكمية تتوفر على خط أساس معلن يسمح بقياس التطور المحقق، بينما يفتقر 40 هدفا إلى أجل صريح أو دورية سنوية واضحة للإنجاز.

ويثير هذا المعطى، وفق القراءة التحليلية، مسألة مدى وضوح آليات التتبع والتقييم إذ إن تحديد الأهداف لا يكفي وحده للحكم على مستوى تنفيذها ما لم يقترن بمؤشرات مرجعية، وآجال زمنية، ومسؤوليات مؤسساتية واضحة. كما يسجل التقرير غياب كلفة إجمالية شاملة للبرنامج، رغم تضمينه أغلفة مالية لعدد من المشاريع والبرامج الكبرى.

الدولة الاجتماعية…توسيع الدعم وتحسين الخدمات

تحتل الالتزامات الاجتماعية مكانة بارزة ضمن البرنامج الحكومي، خصوصا ما يرتبط بالدعم الاجتماعي المباشر والمعاشات والإصلاح الضريبي والصحة والتعليم إضافة إلى إجراءات تستهدف تخفيف أعباء المعيشة عن الأسر.

وفي هذا السياق، يتضمن البرنامج التزاما بالرفع التدريجي للحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر من 500 إلى 1000 درهم شهريا مع توجه نحو اعتماد الاستهداف على أساس الدخل الحقيقي المتاح من خلال تصريح اجتماعي شامل.

ويقدر المركز الكلفة الإضافية لهذا الإجراء بنحو 23.4 مليار درهم سنويا في سيناريو توضيحي أقصى، يقوم على استفادة 3.9 ملايين أسرة طوال السنة من زيادة قدرها 500 درهم شهريا لكل أسرة. ويظل هذا الرقم تقديرا مشروطا بالفرضيات المذكورة، وليس كلفة نهائية معلنة من الحكومة.

ويمتد الطموح الاجتماعي إلى منظومة التقاعد، من خلال الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا في مختلف الأنظمة، إلى جانب تمكين الأرملة من معاش كامل بنسبة 100 في المائة بدل 50 في المائة وفق المعطيات التي يستند إليها التقرير.

وعلى المستوى الضريبي، يتضمن البرنامج إصلاحا يقوم على رفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل الصافي من 40 ألفا إلى 60 ألف درهم سنويا وتقليص عدد الأشطر إلى ثلاثة بمعدلات تصاعدية تبلغ 10 و20 و30 في المائة، مع خفض المعدل الهامشي من 37 إلى 30 في المائة. غير أن التقرير يشير إلى أن تنزيل هذا الإصلاح يظل مرتبطا بتقييم كلفته المالية.

وفي قطاع الصحة، يرصد المركز ثمانية أهداف مرقمة في الوثيقة الكاملة، من أبرزها رفع حصة المؤسسات الصحية العمومية من نفقات التأمين الإجباري عن المرض من 10 إلى 50 في المائة، وبلوغ 35 مهنيا صحيا لكل عشرة آلاف نسمة بحلول سنة 2031.

أما في التعليم، فتشمل الالتزامات مضاعفة نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات الأساسية، والعمل على بلوغ “صفر انقطاع” عن الدراسة بحلول سنة 2030، وتعميم التعليم الأولي في أفق 2028. ويضع التقرير هذه الأهداف ضمن اختبار جودة الخدمات العمومية، باعتبار أن توسيع التغطية أو رفع حجم الإنفاق لا يؤدي تلقائيا إلى تحسين النتائج ما لم يواكبه تقييم فعلي للأثر.

وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، يتضمن البرنامج، بحسب التقرير، اعتماد تعويض تلقائي يعادل قيمة الفاتورة الشهرية للكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم، لفائدة الأسر المستحقة عن مسكنها الرئيسي، وفق دخلها الفعلي. ويشمل التوجه نحو مراقبة مسالك توزيع اللحوم والأسواق وتطوير أسواق الجملة، في سياق مواجهة الغلاء والحد من تعدد الوسطاء، الذين ينسب إليهم التقرير هوامش تصل إلى نحو 34 في المائة من السعر النهائي.

التشغيل.. مليون منصب بين الطموح وطبيعة الفرص

يمثل التشغيل أحد أبرز رهانات البرنامج الحكومي، الذي يستهدف إحداث ما يقارب مليون منصب شغل خلال الولاية، وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة بحلول 2031، بالتوازي مع رفع معدل نشاط النساء إلى 21.2 في المائة، وتقليص عدد الشباب الموجودين خارج التعليم والتكوين والشغل بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.

غير أن التقرير التحليلي للمركز يلفت إلى ضرورة التمييز بين العدد الإجمالي للفرص المرتقبة وطبيعتها ومدى استدامتها. ووفق تفكيكه لمكونات هدف المليون منصب يرتبط نحو 250 ألف منصب بالصناعة، فيما تتوزع بقية الفرص بين 360 ألف منصب مرتبط بالأنشطة المتصلة بتنظيم كأس العالم 2030، و270 ألف منصب في ترحيل الخدمات و80 ألفا للاستقرار القروي، و40 ألفا في المجال الرياضي.

ويشير هذا التفصيل إلى أن تقييم حصيلة التشغيل لا يمكن أن يعتمد على العدد الإجمالي وحده بل يتطلب التمييز بين فرص الشغل الدائمة والمؤقتة وقياس قدرتها على الاستمرار بعد انتهاء المشاريع أو التظاهرات التي ترتبط بها، فضلا عن احتساب مدى انعكاسها على البطالة الفعلية وجودة العمل والدخل.

وفي إطار إدماج الشباب، يتضمن البرنامج الوطني المندمج الموجه لهذه الفئة هدف تكوين وإدماج نحو 300 ألف شاب سنويا عند بلوغ البرنامج سرعته القصوى، إلى جانب توفير 500 ألف فرصة تجربة مهنية أولى، ومواكبة 60 ألف مقاولة شبابية.

الصفقات العمومية والنزاهة.. رهانات على المقاولات الصغرى

يتضمن البرنامج أيضا إجراءات تستهدف تعزيز دور المقاولات المغربية الصغرى والمتوسطة في الاقتصاد، من خلال إلزام أصحاب الطلبيات العمومية بتخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات لهذه المقاولات، مع حصة فرعية بنسبة 2 في المائة للشركات الناشئة وفق المعطيات الواردة في التقرير.

ويرتبط تنفيذ هذا التوجه بضرورة تحديد الآليات القانونية والإجرائية التي تضمن احترام الحصص المستهدفة، مع إقرار الجزاءات عند الإخلال بها، بما يسمح بتحويل الطلب العمومي إلى أداة لدعم الإنتاج الوطني وتوسيع قاعدة المقاولات المستفيدة من الاستثمار العمومي.

وفي مجال النزاهة وتخليق الحياة العامة، يرصد التقرير حزمة من التدابير المقترحة تشمل وضع إطار قانوني لتنازع المصالح، وتجريم إفشاء المعلومات بغرض الحصول على امتيازات وحماية الموظفين المبلغين عن المخالفات، وتوحيد التصريح الإجباري بالممتلكات، إلى جانب مراجعة الفصل 245 من القانون الجنائي لتوسيع نطاق معالجة المصالح غير المشروعة.

التنمية الترابية والسيادة الاستراتيجية

على مستوى العدالة المجالية، يبرز البرنامج التزاما برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم سنويا ابتداء من 2027، إلى جانب إطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة بغلاف مالي يصل إلى 130 مليار درهم على مدى خمس سنوات، تتحمل الدولة ثلاثة أرباعه وفق التقرير.

وفي مجال السيادة المائية، يتضمن البرنامج إنجاز ست محطات لتحلية مياه البحر، بهدف بلوغ أكثر من 1.8 مليار متر مكعب في أفق 2031، إلى جانب مضاعفة عدد السدود الصغرى والتلية ليصل إلى نحو 400 منشأة وتوسيع المساحات المستفيدة من الري المقتصد للماء بإضافة 350 ألف هكتار.

أما في المجال الطاقي، فيستهدف البرنامج بلوغ حصة الطاقات المتجددة 52 في المائة من القدرة الكهربائية الإجمالية المنشأة بحلول 2030، إلى جانب تأمين مخزون من المحروقات يكفي لثلاثة أشهر. ويشدد التقرير على أن نسبة 52 في المائة تتعلق بالقدرة الكهربائية المنشأة وليس بحصة الطاقات المتجددة من الإنتاج الفعلي للكهرباء، وهو تمييز تقني مهم عند تقييم مستوى التقدم المحقق.

وفي السيادة الغذائية، تشمل الأهداف رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة، وتوسيع الزرع المباشر ليشمل مليون هكتار في أفق 2030، إلى جانب تلقيح وترقيم وتبريد ما لا يقل عن 85 في المائة من القطيع، وفق ما أورده التقرير.

وتعكس هذه الالتزامات توجها نحو تعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي، غير أن تنفيذها يظل مرتبطا بحجم الاستثمارات المطلوبة، والقدرة على تعبئة التمويل، والتنسيق بين القطاعات، ومدى انعكاس المشاريع على استدامة الموارد وتقليص التبعية للخارج.

الرقمنة والذكاء الاصطناعي…رهانات على الكفاءات والسيادة الرقمية

يولي البرنامج أهمية للتحول الرقمي باعتباره رافعة لتحديث الاقتصاد والإدارة والخدمات، من خلال أهداف مرتبطة باستراتيجية “المغرب الرقمي 2030” تشمل تجهيز 80 في المائة من المساكن بالألياف البصرية وإحداث 500 فضاء رقمي.

ويتضمن البرنامج تكوين خمسة آلاف مؤطر في مجال الذكاء الاصطناعي، وإدماج هذه المادة في التعليم الإعدادي، والعمل على بناء منظومة مغربية للذكاء الاصطناعي وتطوير سحابة سيادية.

ويشير هذا التوجه إلى أن الرهان لا يقتصر على توسيع البنيات التحتية الرقمية بل يشمل كذلك إعداد الكفاءات البشرية، وتعزيز القدرات الوطنية في تطوير التكنولوجيا وتدبير البيانات وضمان أمن الأنظمة الرقمية. وسيظل قياس النتائج مرتبطا بمدى تحول هذه المبادرات إلى خدمات ومنتجات وفرص اقتصادية فعلية.

التمويل…الحلقة الأكثر حساسية في تنفيذ البرنامج

على المستوى الماكرو-اقتصادي، يقوم البرنامج، بحسب التقرير، على تحقيق نمو متوسط يبلغ 5 في المائة سنويا خلال الفترة 2027-2031، مع حصر التضخم في حدود 2 في المائة، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، ووضع المديونية في مسار تنازلي نحو 62 في المائة من الناتج بحلول سنة 2031.

ويرى المركز أن تحقيق هذه الأهداف يواجه تحديات، بالنظر إلى الفارق بين معدل النمو المستهدف والتوقعات الاقتصادية التي يشير إليها التقرير. ويقارن في هذا السياق هدف النمو البالغ 5 في المائة بتوقعات بنك المغرب لسنة 2027 التي تبلغ 2.9 في المائة، معتبرا أن بلوغ المستوى المستهدف يتطلب دينامية اقتصادية واستثمارية قوية.

ويثير التقرير أسئلة حول إمكانية احترام سقف عجز الميزانية في حدود 3 في المائة خلال السنتين الأوليين، في ظل تعدد الالتزامات الاجتماعية والاستثمارية. ولا يعني ذلك استحالة تحقيق الأهداف لكنه يضع مسألة ترتيب الأولويات وتعبئة الموارد وتحسين نجاعة الإنفاق في صلب اختبار التنفيذ.

وتبرز إحدى الملاحظات الرئيسية في غياب كلفة إجمالية شاملة للبرنامج الحكومي، رغم تحديد أغلفة مالية لبعض المشاريع الكبرى. ويشير التقرير إلى أن تمويل الالتزامات يرتكز على توسيع الوعاء الضريبي وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، والاستفادة من أثر النمو الاقتصادي، وتعزيز مساهمة المؤسسات والمقاولات العمومية.

ويحذر هذا التقييم، ضمنيا من صعوبة قياس مدى التوازن بين حجم الالتزامات والموارد المتاحة ما لم تتضح الكلفة الإجمالية، والجدولة الزمنية للإنفاق، ومصادر التمويل المخصصة لكل محور. كما يكتسي إعداد ميزانيتي 2027 و2028 أهمية خاصة، إذ يعتبرهما المركز محطتين حاسمتين لاختبار مدى قدرة الحكومة على الانتقال من التعهدات العامة إلى برمجة مالية وتنفيذية قابلة للتحقق.

من إعلان الالتزامات إلى قياس الأثر

يخلص التقرير التحليلي المنسوب إلى المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمية إلى أن البرنامج الحكومي يتضمن أولويات اجتماعية واقتصادية واستراتيجية واسعة، ويقدم تعهدات يمكن أن تشكل إطارا لتطوير الخدمات العمومية وتعزيز التشغيل وتقليص الفوارق المجالية. غير أن تماسك هذه الأولويات لا يلغي الأسئلة المرتبطة بكلفة تنفيذها، ومدى وضوح آجالها، وتوفر مؤشرات مرجعية تسمح بتقييم التقدم المحرز.

وبحسب الخلاصة الاستراتيجية للمركز، لن يقاس نجاح البرنامج عند نهاية الولاية بعدد المشاريع المعلن عنها أو بحجم الاعتمادات المرصودة فقط، بل بمدى انعكاس السياسات العمومية على حياة المواطنين، وقدرتها على تحسين الدخل وجودة الخدمات وفرص الشغل، وتقليص الفوارق بين الجهات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock