يفتح تعثر مجلس الأمن في اعتماد مشروع القرار بشأن الصحراء المغربية، يوم 31 أكتوبر نقاشا يتجاوز دلالات التصويت ومواقف القوى الدولية ليطرح تساؤلات أعمق بشأن مستقبل المسار السياسي، وموقع الأمم المتحدة في تدبير هذا النزاع، وحدود التحالفات التي يستند إليها المغرب في الدفاع عن قضيته الوطنية.
وفي قراءة تحليلية لهذه التطورات، يرى الأستاذ عبد المغيث بنمسعود اطريدانو، الأستاذ والرئيس السابق لشعبة القانون العام بجامعة محمد الخامس، أن الفيتو الروسي لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، حيث باتت المصالح وموازين القوة تتحكم بدرجة متزايدة في العلاقات بين الدول، على حساب قواعد القانون الدولي والالتزامات المتبادلة.
ويعتبر بنمسعود اطريدانو، أن التحالفات الدولية لم تعد تقوم بالضرورة على روابط استراتيجية ثابتة، بل أصبحت خاضعة لحسابات متغيرة، قد تضع الأطراف الأضعف في مواقع تفاوضية غير متكافئة. ومن هذا المنطلق يحذر من مخاطر الارتهان لتحالفات غير متوازنة، خصوصا في ظل ما يعتبره سوابق أمريكية في التخلي عن حلفاء عند تغير المصالح، متسائلا عن الكلفة التي قد يتحملها المغرب نتيجة اعتماده المتزايد على الدعم الأمريكي والإسرائيلي في ملف الصحراء.
ويربط الكاتب هذه المخاوف بالمسار الذي أعقب القرار الأممي 2797 الصادر في أكتوبر 2025، والذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساسا لتسوية النزاع، لكنه تضمن بحسب قراءته، عبارات أبقت بعض جوانب الصياغة مفتوحة على التأويل وهو ما ساهم في استمرار الخلاف حول طبيعة الحل ومحددات العملية السياسية.
وفي تحليله لتصويت 31 أكتوبر ، الذي انتهى برفض مشروع القرار الأمريكي بعد حصوله على 11 صوتا مؤيدا وامتناع عضوين واستخدام روسيا حق النقض يشير بنمسعود اطريدانو إلى أن المغرب كان يتوقع الموقف الروسي، وهو ما يفسر، في تقديره، سرعة صدور بلاغ الديوان الملكي عقب تعثر التصويت.
ويستحضر التصريحات التي أدلى بها وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة، والتي أوضح فيها أن الرباط كانت أمام خيارين: القبول بتعديلات ترضي موسكو، بما قد يعيد إنتاج الغموض الذي طبع القرار السابق، أو التعامل مع الفيتو باعتباره فرصة لإعادة النظر في مسار تدبير الملف. ويرى الكاتب أن المغرب اختار الاحتمال الثاني، مستندا إلى قراءته للتصويت على المشروع الروسي البديل باعتباره مؤشرا على استمرار الدعم الدولي للمقاربة المغربية غير أنه يطرح، في المقابل، تساؤلات قانونية وسياسية بشأن مستقبل المينورسو بعد عدم تجديد ولايتها ومدى انعكاس ذلك على مراقبة وقف إطلاق النار واستمرار المسار الأممي، محذرا من احتمال أن يؤدي غياب إطار واضح إلى تعقيد الوضع الميداني، خاصة في ظل مواقف جبهة البوليساريو الرافضة، منذ سنوات، الالتزام بوقف إطلاق النار.
ولا يستبعد اطريدانو، أن يكون الفيتو الروسي جزءا من تفاهمات غير معلنة بين قوى دولية وأطراف النزاع تمهد، وفق فرضيته، لمرحلة جديدة من التسوية دون ترجمتها في الوقت الراهن إلى قرار أممي واضح، لكنه ينبه إلى أن مثل هذا السيناريو إن صح، قد يضعف مسار تكريس الاعتراف الدولي النهائي بمغربية الصحراء.
ورغم إقراره بتحسن موقع المغرب الدبلوماسي منذ سنة 2007، وما يرافقه من اتساع دائرة الدول الداعمة لمبادرة الحكم الذاتي، يعتبر أن تدويل الملف يرفع كلفة التحالفات والمواقف الدولية، ويجعل تعزيز الجبهة الداخلية ضرورة استراتيجية. لذلك يدعو إلى إطلاق ما يشبه “مسيرة خضراء جديدة” قوامها إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، بما يعزز مناعة البلاد وقدرتها على مواجهة التحولات الخارجية.
ويخلص إلى أن مرحلة ما بعد المينورسو، ومستقبل المسار السياسي ومآل مشروع الحكم الذاتي، تظل أسئلة مفتوحة تستدعي وضوحاً في الرؤية واستعدادا لمختلف الاحتمالات.

