آخر أخبارحديث الأربعاءرأي

طيور الظلام

لكل مناسبة جميلة وخيرة شيطانها يقعد لها في صراطها المستقيم، ويسعى بين أيدي المصلحين والصالحين ليطفئ الأنوار، ويوقف المسار، ويمحو الآثار، ويتسلل إلى الديار ليوقع العداوة والبغضاء بين الآمنين ويوغر الصدور. وشيطان هذه المناسبة الجميلة والرائعة المتمثلة في إقامة عرس كأس أمم إفريقيا بأرض المملكة المغربية الشريفة، هو شيطان العصابة الحاكمة في الجزائر الذي سول لها، خلال أسبوع على بداية فعاليات هذه النسخة المميزة من البطولة الإفريقية، أن تأتي بالطامات، وأن لا تترك كبيرة ولا صغيرة من سيرة المغرب وتنظيمه وتدبيره لهذا العرس إلا وشوهتها، وقلبت أفراحها إلى أحزان، وعرسها إلى مأتم يتناقل إعلامها الرسمي وحده وأبواقها الدعائية الموتورة، الفريدة من نوعها، شعائره وطقوسه الجنائزية ولطمياته التي اختلق لها هذا الإعلام معزين ومشيعين وراء نعش وهمي عناوينه الكبرى ملاعب المغرب المتهالكة، وظلامه الحالك والدامس، ونوره المنطفئ، وصبيب أنترنيته الضعيف والمتقطع، وتذاكره المفقودة والممنوعة، وتواطؤه مع الأقدار لإرسال السماء مدرارا على الضيوف وحواليهم، وأمره فوضى وسوء تنظيم… وهذا غيض من فيض ما سلطه إعلام العصابة طيلة أسبوع من أراجيف وتحريض على المغرب شعبا ودولة وحضارة، وقلب الحقائق حتى لكأن البلد الجار الغربي هو عين الجحيم الذي لا يطاق، ولكأن أجمل وأفضل نسخة أو طبعة كأس إفريقيا هي واقعا وحقيقة أقبح وأنكر ما نظم على الأرض من بطولات ومباريات، هي أقرب إلى حرب ضروس وقيامة كبرى منها إلى منافسة رياضية رفيعة وحماسية، كما شهدها العالم كله، وشهد عليها كل الضيوف الأفارقة من جماهير ومنتخبات وأطقم فنية وإعلامية تنقل الحدث بالصوت والصورة، والسعيدة بتواجدها في مغرب الأنوار والأخيار، وفي وطنها الإفريقي العريق والنبيل، لتشهد منافع لها وتحج زرافات ووحدانا إلى ملاعب آمنة، وساحات عامرة، ومزارات ومعالم ساحرة، ومطاعم فاخرة، ومعايشة لصيقة لكل مفاصيل الحياة ومعالمها في مغرب آخر لا علاقة له بما تروجه العصابة الحاكمة في الجزائر عنه، من صور الجحيم والظلام والبؤس والخراب التي لا توجد يقينا وقطعا إلا عند مؤلفي سيناريوهاتها.

ليست الجماهير الرياضية المحتفلة على أرض المغرب بهذه المناسبة القارية من يشهد بهذه الضيافة الواجبة والحفاوة الكريمة والنهضة الملهمة، وإنما الإعلام القاري والدولي الذي يبث إلى جانب المباريات الكروية تحقيقات واستطلاعات، سواء من منصات المشجعين أو من أسواق وساحات وشوارع المدن المحتضنة لفعاليات هذه النسخة، فضلا عن فئة أخرى واسعة وفدت إلى المغرب كما تفد عادة إليه في مناسبات الاحتفال بأعياد رأس السنة الميلادية، ولا ترضى عنه بديلا، ألا وهي نخبة وكوكبة من مشاهير الرياضة ونجوم الفن والموسيقى والمسرح والسينما والسياسة والاقتصاد في العالم، تخطف كاميرات التلفزة الناقلة للمباريات صورا لهم وسط المدرجات مستمتعين بأجواء المنافسات وبالبنيات الاستقبالية المشرفة، جامعين هذه المرة بين حسنيين: الاحتفال في المغرب بمطلع شمس سنة جديدة، ومشاركة الجماهير الرياضية متعة الفرجة في قلب ملاعب آمنة وفرحة غامرة…

القلب المغربي الكبير يحتضن كل ضيوفه الكرام الذين حلوا أهلا ونزلوا سهلا، ويحول الظروف المناخية الباردة والممطرة إلى أيام دافئة ومليئة بالسعادة، ومشاهد الحبور والتقدير والفخر والاعتزاز بأن هذه الديار ديارهم لا يشعرون فيها بأنهم غرباء أو دخلاء وأجانب. وحده إعلام العصابة الموتور والمدحور اختار مبعوثوه إلى المغرب ومراسلوه أن ينزووا في أركان وأماكن مظلمة ومهجورة مثلهم مثل خفافيش الظلام وبومات المقابر، لينقلوا تغطياتهم غير المهنية على وجه الإطلاق، وتقاريرهم الغاضبة والمنددة والمتحسرة، تعلو وجوههم مسحات الحزن والأسى في ليل حالك، ومكان مقفر يكاد المتابع للقنوات التلفزية الجزائرية الرسمية والخاصة يحسبه ميدان معركة وخراب، أو كوكبا آخر مظلما، ويسأل المذيع مراسله من المغرب: هل الظروف مواتية لنقل الخبر عن هذا الكوكب المظلم البارد، وهل الصوت مسموع، وتبدو الخلفية وراء المراسل من بعثة إعلام العصابة إلى المغرب لا يتبين منها هل صورت في حفرة أو في جوف شجرة، وحيث لا يسمع صوت جمهور ولا حركة حي يسير ولا طائر يطير، وتكاد الجن تتخطف المراسل الغارق في السواد والحزن ورهبة المكان، فلكأن شوارع وملاعب وطرقات وبوابات الرباط العامرة أو الدار البيضاء المنيرة قد ضاقت على مراسلي التلفزة الجزائرية لنقل تقاريرهم وتغطياتهم وسط إطار حقيقي حي من مشاهد المباريات والفعاليات والأنشطة المرافقة لها ولجماهيرها، حتى إذا ما ثقل على مراسل آخر أمر هذا المشهد السينمائي الجنائزي والحربي المفتعل، نقل الكاميرا والتعليق إلى حشود من المشجعين الجزائريين ضيوف المملكة وضيوف هذه الفعالية القارية، ممن اختلقت أجندة المؤامرة والدسيسة والخديعة وسطهم أزمة التذاكر، لاستفزازهم وابتزاز مواقف تنديدية واحتجاجية منهم، وإعطاء التوجيهات لتسليط الضوء عليها وتضخيمها وتصويرها كعلامة على سوء التنظيم واستهداف للجماهير الجزائرية المشجعة والداعمة لمنتخبها، والتأثير عليهم في المباريات حتى لا يكسبوها. وقد دست قناة تلفزية أخرى محسوبة على نظام العصابة مراسلا لها في مشهد هزلي بئيس وخسيس ومنحط يضع خوذة على رأسه وصدرية واقية من الرصاص لينقل لها وسط الظلام الدامس أيضا تقاريره وتغطياته المسمومة لفعاليات هذا النشاط الرياضي (الحربي)، وكأن الكرة تلعب في ليل بهيم، والجماهير والمنتخبات جن لا يرى بالعين المجردة، ولا تلتقطه عدسات الكاميرات، والأجواء جنائزية، والوقت وقت حرب تتطاير شظايا الصواريخ والمقذوفات فوق الرؤوس، ويسأل المراسل عن حاله وظروف اشتغاله الصعبة والبالغة الخطورة.

فهل رأى الناس أسوأ من هذا الصنيع الصبياني والعدواني في إقحام الهلاوس والأوهام والكوابيس والمخاوف وسينما القيامة والحروب والأهوال، وطقوس الجنائز واللطميات والنياحة في التصوير والتعليق الرياضي، حيث يُتبادل الأسى والحسرة في بلاطوهات القنوات الرياضية الجزائرية على ما آل إليه تنظيم عرس كروي في مغرب غير مؤهل وغير جاهز، بل الأدهى والأمر غير موجود أصلا في عرف العصابة، فهو لا يذكر ولا يسمى إلا للإساءة إليه، ولا يوضع علم منتخبه إلى جانب أعلام منتخبات الدول الإفريقية في مبارياتها، وقد صدرت التوصيات حتى بعدم الإشارة إلى هذا المغرب المحتضن لهذه التظاهرة الكروية، وكأن المنتخب الجزائري يسافر ويغادر إلى اللامكان ويلعب في أرض خلاء بدون شعب ولا دولة ولا حتى رسم أو اسم أو علم، ناهيك عن تغطية الشعارات المعتمدة من قبل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، لأن اسم البلد المغربي المنظم مذكور فيها أو مشار إلى رمز من رموزه، بل والذهاب إلى حد مساس ضيوف جزائريين مرافقين لمنتخبهم الرياضي في سقوط أخلاقي مدو، برموز ومقدسات شعب جار طالما اقتسم الأقراح والأفراح مع الشعب الجزائري بدءا بالشهادة والاستشهاد في معارك التحرير والمقاومة إبان الاستعمار، وانتهاء بآخر مشاركة للشعب المغربي شقيقه الجزائري فرحته بتأهل منتخبه الكروي إلى نهائيات بطولة كأس الأمم الإفريقية وبفوزه كذلك بالكأس عام 2019، قبل أن تفسد العصابة الحاكمة في الجزائر بأعمالها العدوانية، وفي أقل من عامين كل هذه الوشائج والروح الطيبة بين الشعبين.

لم نكن لننكأ هذه الجراح لولا أن ثمة إصرارا منقطع النظير من العصابة وأبواقها الإعلامية الرسمية وأزلامها وأتباعها من الحمقى والمغفلين، على تصعيد العدوان والإساءة إلى العرس الإفريقي في المغرب، بكل ما أوتيت من تزوير وكذب وتلفيق وتحريض وفتنة تكاد تتفطر منها السماء وتنشق الأرض وتخر الجبال، ولا تزال في جعبة وأجندة طيور الظلام مخططات لإفساد الفرحة وتلفيق التهم: “قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock