أدرك المجتمع الرياضي الدولي قاطبة أن هيبة قوانين اللعبة الرياضية الكروية القاري منها والعالمي هي التي وضعت اليوم على المحك، بعد الفوضى والأحداث المؤسفة التي تسبب فيها مدرب المنتخب السينغالي في المباراة النهائية لكأس إفريقيا للأمم، التي احتضنتها بلادنا باقتدار ونجاح تنظيمي غير مسبوق في تاريخ هذه الكأس. لأن الأمر تجاوز نزاعا رياضيا بين منتخبين قويين في لحظة حاسمة لتتويج أحدهما بطلا والآخر وصيفا في هذا الاستحقاق القاري، ليتخذ بعدا قانونيا دوليا بعد ما شاهده العالم بأسره وتابعه من أطوار المباراة التي فرض فيها مدرب المنتخب السينغالي قانون الغاب على الجميع، بتدخله السافر في مجرياتها، وضغطه بوسيلة غير قانونية لوقف أشواط اللعب، والانسحاب الخطير من أرضية الملعب إلى غرفة الملابس، ثم العودة كما شاء، وبكل العربدة والاستباحة للقوانين الرياضية المنظمة، وبدون أدنى احترام لا للخصم ولا لحكم وحكام المباراة، ولا حتى للأخلاق والروح الرياضية التي تؤطر هذا المحفل الكروي، مع شحن سابق للجماهير المشجعة بالدعايات الكاذبة والمغالطات والتشكيكات والتلميحات المسيئة، التي استبقت نتائج المباراة، وسهلت عليه في ما بعد توجيه المشجعين وتحريضهم للنزول إلى ميدان المباراة، وارتكاب أعمال العنف التي تناقلت مشاهدها المؤلمة شاشات العالم، وتابعت كيف كان آلاف المشجعين المغاربة في الملعب في مستوى عال من الانضباط وضبط النفس ولزوم آداب التشجيع الرياضي والدعم السلمي لمنتخبهم، ولولا عاملي التدخل الأمني المغربي الناجع لوقف زحف الفوضى الجماهيرية على أرضية الملعب، وكذا التزام آلاف المشجعين المغاربة باحترام التزامات بلادهم بحسن الضيافة وبتأمين هذه التظاهرة من كل ما يخدشها من إساءة ليس فقط لصورة المغرب، وإنما لصورة ومصداقية قارة بأكملها، ولزومهم أماكنهم في المدرجات، لحدثت كارثة تنهي هذه المباراة الكروية، بمأساة إنسانية وبجرح عميق في الذاكرة الإفريقية المثقلة بالحروب والفتن والمؤامرات على نجاحاتها وصداقاتها وشراكاتها ومستقبلها الحضاري والتنموي.
إن الحد من التداعيات السلبية لهذه الحادثة المؤسفة والخبيثة، على صورة إفريقيا، لا يكمن في طمس معالم الجريمة، أو اختزالها في مجرد نزوة وزلة عابرة أو منازعة فريق منهزم وخاسر في أحقيته في الفوز، وإنما يتمثل في إنفاذ قانون اللعبة وفرض احترامه، والاحتكام إليه في أي مخالفة أو منازعة، حفاظا على هيبة اللعبة الكروية، وردا للاعتبار إلى المؤسسات والهيئات التحكيمية الرياضية الكروية القارية والدولية للنزاهة والانضباط ومكافحة الفساد، التي لها كامل الصلاحية والأهلية والكفاءة والاختصاص والتفويض الحصري للحكم والفصل وإحقاق الحق وتحقيق العدالة الرياضية.
فلأجل منع الفساد ووقف الظلم، ورد الاعتبار للممارسات الفضلى، وضعت الشرائع وسنت القوانين، ومن ثمة فإن إحالة المنازعات والشكايات على أنظار الأجهزة الرقابية والقضائية المختصة وعلى أساس المرجعيات القانونية واللوائح المنظمة المعلومة للجميع، يعتبر سلوكا حضاريا لحل المشاكل، وإدارة الأزمات، والفصل في الاشتباكات وضمان النزاهة. ولا يمكن لا للفاعلين الرياضيين سواء في المغرب أو في دولة السينغال الشقيقة مهما كانت الظروف والتوترات العابرة، إلا الترحيب بهذه المرجعية القانونية والحقوقية الرياضية الحاكمة والفاصلة، لدرء الفتنة والشكوك عن نزاهة المباراة التي جمعت منتخبيهما الكرويين، حتى تطمئن النفوس، وتهدأ العواصف، ونقدم مرة أخرى للعالم صورة ناصعة وإيجابية عن إفريقيا الحقوقية العادلة والمنصفة، بعد أن قدمنا صورة إيجابية ناضجة عن القدرات الإفريقية التنظيمية والتنافسية العالية في بطولة رياضية ستبقى في نهاية المطاف مجرد لعبة وفرجة، لن تفسد للأخوة المتينة والصداقة العريقة والود والاحترام المتبادلين قضية.
فعلى كل الذين نصبوا شباكهم للاصطياد في الماء الكروي العكر، وتهييج مشاعر الكراهية بين الدول والشعوب، وإطلاق إسهالات وغازات في كل الاتجاهات، أن يعلموا أن المستقبل في إفريقيا للعدالة الحق التي رفعوا ظاهرا وخبثا شعارها، وزيفوه بظلم عظيم وفساد كبير، فقط للسخرية من المنتخب المغربي الذي لم تسعفه ظروف المباراة للتتويج واعتبروا ذلك عقابا. فليدعوا هذه العدالة الحق تقول كلمتها النهائية الفصل التي لن يغني عنها الضجيج والاستثارة والابتزاز من أي كان، ولننتصر جميعا لربحنا، ليس كأسا، ولا لقبا يدور مع الزمان، وإنما قيمة وهيبة ومصداقية للقارة الإفريقية بين القارات والأمم التي تتفرج اليوم وتترقب وتتطلع إلى كيف سيختم القضاء الكروي الإفريقي على هذا الملف التحكيمي، ثم استنفاذ كل درجات التقاضي والطعن، فهذه هي العدالة وهذه أطوارها وإجراءاتها، لإحقاق الحقوق أولا، ولردع الإساءات ومنع الظلم ثانيا، ولضمان عدم تكرار الجرائم والأعمال المسيئة ثالثا.
إنه لا يمكن لإفريقيا التي تبحث عن مكانتها المستحقة بين القارات المتنافسة على الصعود والرقي وتعزيز تلاحم وتضامن دولها وشعوبها، أن تنال هذه المكانة بدون احترام التزاماتها الحقوقية والقانونية، ورد الهيبة والاعتبار لمؤسساتها وأجهزتها التقريرية والتحكيمية التي تشكل الهيئة الرياضية الإفريقية الوصية على كرة القدم في إفريقيا نموذجا منها…
إن الاحتكام إلى قانون الغاب والفوضى لفرض الأمر الواقع، ومحاولة التغطية على خروقات فاضحة وتعطيل العدالة والقانون، أو التمكين عنوة للإفلات من العقاب، والتوغل في الإساءة والاعتداد بالخطأ والخطيئة، سيضع إفريقيا أمام اختبار فقدان الثقة في مؤسساتها، وتنفير المستثمرين في نهضتها، بمن فيهم كل هؤلاء الداعمين والعارضين والرعاة والمستشهرين الذين جلبتهم البطولة الكروية الإفريقية المقامة في المغرب، والمرشحين لنفض أيديهم مستقبلا من أي تعاون أو شراكة أو اتفاقية أو عقد عمل واستثمار مع من لا يقدرون الحقوق والواجبات والمسؤوليات حق قدرها.
ليس المغرب من سيخسر شرفه الرياضي والتنظيمي في هذه النازلة والحالة، الذي حاولت جهات معادية المساس به بدون طائل، وإنما الخاسر الأكبر هو سمعة الرياضة الإفريقية التي باتت على كل الألسنة، بسبب من أجندات الإفساد والكراهية، ومخططات التشويه والاستعداء والتشكيك التي أرادت جعل دولتين إفريقيتين شقيقتين وصديقتين وشريكتين حطبا لنيران أحقادها وضحية لمؤامراتها.

