تطرح أزمة توقف المحامين عن العمل تساؤلات متزايدة حول مصير آلاف المتقاضين الذين تعطلت ملفاتهم أمام المحاكم، في وقت يتمسك فيه أصحاب البذلة السوداء بحقهم في الاحتجاج دفاعا عن استقلالية مهنتهم ومطالبهم المرتبطة بمشروع قانون مهنة المحاماة.
وبين حق المحامين في التصعيد المهني وحق المواطنين في الولوج إلى العدالة داخل أجل معقول، تبرز إشكالية حماية المتقاضين من تداعيات هذا الشلل القضائي. يبرز سؤال، من يحمي حقوق المتقاضين في ظل توقف المحامين عن العمل؟. وفي هذا الصدد”رسالة 24″ حاورت عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان.
بداية، كيف تقيمون قرار التوقف الشامل للمحامين عن العمل في ظل الجدل الذي يرافق مشروع قانون مهنة المحاماة؟
نحن أمام معادلة دقيقة وحساسة. فمن منظور مهني، لا يمكن النظر إلى قرار التوقف عن العمل باعتباره مجرد خطوة احتجاجية عابرة، بل هو، في تقدير الهيئات المهنية، وسيلة دستورية وسلمية للتعبير عن رفضها لبعض المقتضيات الواردة في مشروع قانون مهنة المحاماة، والتي تعتبر أنها تمس باستقلالية المهنة وبضمانات المحاكمة العادلة، قد تؤثر على ولوج المواطنين إلى العدالة. ومن حق المحامين، باعتبارهم أحد مكونات منظومة العدالة، أن يعبروا عن مواقفهم تجاه النصوص المنظمة لمهنتهم
لكن هذا التوقف ينعكس بشكل مباشر على المتقاضين، كيف تنظرون إلى هذه الآثار؟
بالفعل، الطرف الذي يتحمل الكلفة المباشرة لهذا الوضع هو المواطن المتقاضي. فتوقف المحامين يؤدي إلى تأجيل الجلسات وإطالة أمد البت في ملفات تتعلق بالنفقة، والحريات الفردية، والاعتقال الاحتياطي، وغيرها من القضايا ذات الطابع الاستعجالي. وهذا يطرح تحديا حقيقيا أمام الحق الدستوري في المحاكمة العادلة داخل أجل معقول و قد يخلق حالة من الهشاشة القضائية المؤقتة تمس بالأمن القانوني والقضائي للمواطنين، وهو ما يستوجب الإسراع في إيجاد حلول توافقية.
في ظل تعثر الحوار بين وزارة العدل وهيئات المحامين، ما السبيل لتجاوز هذا الاحتقان؟
أعتقد أن المدخل الأساسي يتمثل في مأسسة الحوار بين مختلف الأطراف. فالحوار لا ينبغي أن يبقى رهين لقاءات ظرفية، بل يجب أن يؤطر عبر محاضر رسمية موقعة تتضمن التزامات واضحة وآجالا محددة للتنفيذ، بما يضمن احترام التعهدات ويمنع أي تأويلات متباينة. وإشراك المحامين منذ المراحل الأولى لإعداد مشاريع القوانين المرتبطة بمنظومة العدالة يعد أمرا ضروريا، لأنهم ليسوا مجرد فاعلين مهنيين، بل شركاء أساسيون في تحقيق العدالة وصيانة الحقوق والحريات.
هل ترون أن تدخلا من مؤسسات وطنية مستقلة يمكن أن يساهم في إنهاء الأزمة؟
عندما تصل المواقف إلى حالة من الجمود، يصبح اللجوء إلى وسيط مؤسساتي محايد خيارا سليما. وهناك مؤسسات دستورية تتمتع بالمصداقية والشرعية الحقوقية، مثل المجلس الوطني لحقوق الإنسان، ومؤسسة الوسيط، والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان، يمكنها أن تضطلع بدور مهم في تقريب وجهات النظر وتقديم مقترحات متوازنة تساعد على تجاوز الخلاف، بما يضمن حماية الحقوق وصون حسن سير العدالة.
كيف تتصورون المخرج النهائي لهذه الأزمة؟
لا يكمن الحل في انتصار طرف على حساب آخر، وإنما في التوصل إلى عقد تشريعي جديد يقوم على التوازن بين مختلف الاعتبارات. ينبغي أن يحتفظ المشرع والحكومة بصلاحياتهما الدستورية في تحديث منظومة العدالة وتنظيم المرفق القضائي، وفي المقابل يجب صون استقلالية المحاماة وضمان مكانتها وحصانتها المهنية. وفي نهاية المطاف، يجب أن تبقى مصلحة المواطن وحقه في الولوج إلى عدالة مستقلة وفعالة وسريعة هي الهدف الأسمى لأي إصلاح تشريعي أو مؤسساتي.

