آخر أخبارتقاريرمستجدات

البنك الدولي: الذكاء الاصطناعي مفتاح تسريع التنمية في الدول النامية

أكد البنك الدولي، في تقرير “التنمية في العالم 2026: وعد الذكاء الاصطناعي”، الصادر يوم أمس الثلاثاء، أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد تطور تقني، بل أصبح محركا رئيسيا للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي ستحدد مسار التنمية خلال العقود المقبلة، مشددا على أن هذه التكنولوجيا تحمل فرصا غير مسبوقة لتحسين مستويات المعيشة وتسريع النمو، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات كبيرة تتطلب استعدادا مؤسساتيا واستثمارات استراتيجية، خصوصا بالنسبة للدول النامية.

وينطلق التقرير من تساؤل أساسي يتعلق بكيفية تمكين الدول النامية من الاستفادة من الإمكانات التي يتيحها الذكاء الاصطناعي، مع الحد من مخاطره، موضحا أن هذه التكنولوجيا ستؤثر في مختلف القطاعات، من الإنتاج وسوق العمل إلى التعليم والصحة والخدمات العمومية والإدارة الحكومية، بما يجعلها عنصرا أساسيا في رسم ملامح الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.

ويرى البنك الدولي أن الذكاء الاصطناعي قادر على إحداث طفرة في الإنتاجية ورفع كفاءة المؤسسات العمومية والخاصة، من خلال تحسين أساليب العمل واتخاذ القرار بالاعتماد على تحليل البيانات، كما يمكن أن يسهم في تطوير الخدمات الصحية عبر التشخيص المبكر للأمراض وتحليل المعطيات الطبية، فضلا عن تحسين جودة التعليم من خلال أنظمة التعلم الشخصي والمساعدين الرقميين، ودعم الزراعة الذكية وإدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز كفاءة الخدمات الحكومية وتبسيط الإجراءات الإدارية، إضافة إلى تحسين الاستجابة للكوارث الطبيعية وإدارة المخاطر المناخية.

ويؤكد التقرير أن هذه التطبيقات قد تكون أكثر أهمية بالنسبة للدول النامية، لأنها تتيح معالجة عدد من الإشكالات المرتبطة بمحدودية الموارد البشرية والمالية، مشيرا إلى أن هذه الدول ليست مطالبة بالدخول في سباق عالمي لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي عملاقة، وإنما بالاستفادة من الحلول المتاحة عالميا وتوظيفها لمعالجة تحدياتها المحلية في مجالات التعليم والصحة والإدارة والخدمات ودعم المشاريع الاقتصادية.

وفي ما يتعلق بسوق الشغل، يدحض التقرير التصورات التي تتوقع اختفاء أعداد كبيرة من الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي، موضحا أن التأثير سيكون أكثر تعقيدا، إذ من المرتقب أن تختفي بعض الوظائف الروتينية، في مقابل ظهور مهن جديدة تتطلب مهارات رقمية وتحليلية أكثر تقدما، وهو ما يفرض على الحكومات تحديث أنظمة التعليم والتكوين المهني، وتعزيز التعلم مدى الحياة، وإعادة تأهيل العاملين لمواكبة التحولات المتسارعة في سوق العمل، إلى جانب الاستثمار في تنمية المهارات الرقمية والقدرات المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وفي المقابل، يحذر البنك الدولي من أن الاستفادة من هذه الثورة التكنولوجية ليست مضمونة، إذ إن غياب السياسات المناسبة قد يؤدي إلى تعميق الفجوة الرقمية بين الدول، وزيادة التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية، كما يثير التقرير عددا من المخاطر المرتبطة بانتشار المعلومات المضللة والمحتوى الزائف، والتحيز في الخوارزميات، وانتهاك الخصوصية وحماية البيانات، وارتفاع مخاطر الأمن السيبراني، فضلا عن تركز تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لدى عدد محدود من الشركات العالمية، وهو ما قد يحد من استفادة باقي الدول من هذه التكنولوجيا.

ولمواجهة هذه التحديات، يشدد التقرير على ضرورة اعتماد أطر قانونية وتنظيمية واضحة تحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق، إلى جانب تعزيز الحوكمة الرشيدة في إدارة تقنيات الذكاء الاصطناعي، بما يضمن استخدامها بصورة مسؤولة وآمنة.

ويعتبر البنك الدولي أن نجاح الدول النامية في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي يظل رهينا بمجموعة من الشروط الأساسية، من بينها توسيع شبكات الإنترنت عالية الجودة، وتوفير بنية كهربائية مستقرة، وتطوير البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، وإتاحة البيانات العامة بصورة آمنة، والاستثمار في التعليم والبحث العلمي، وإعداد تشريعات تنظم استخدامات الذكاء الاصطناعي، فضلا عن تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات.

ويخلص التقرير إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لتحقيق تنمية أكثر كفاءة وشمولا، لكنه ليس حلا سحريا لجميع المشكلات. فنجاح الدول في الاستفادة منه لن يتحدد بامتلاك أحدث التقنيات فحسب، وإنما بقدرتها على الاستثمار في الإنسان، وتحسين جودة السياسات العمومية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة هذا التحول التكنولوجي بما يخدم التنمية المستدامة ويعزز رفاه المجتمعات.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock