بدأت الحكومة وضع ملامح مشروع قانون المالية لسنة 2027، واضعة نصب أعينها مواصلة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وتسريع وتيرة الاستثمار، مع الحفاظ على التوازنات المالية في ظرفية تطبعها تحديات داخلية ومتغيرات دولية متسارعة.
وفي منشور وجهه رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية بإعداد الميزانية، تم تحديد مجموعة من الأولويات التي ستؤطر السياسة المالية خلال السنة المقبلة، في مقدمتها دعم النمو الاقتصادي، وتقوية تنافسية الاقتصاد الوطني، واستكمال بناء الدولة الاجتماعية، إلى جانب مواصلة الإصلاحات الهيكلية وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.
ويأتي إعداد مشروع المالية الجديدة في سياق سياسي خاص، يتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في 23 شتنبر 2026، والتي اعتبرها رئيس الحكومة محطة مؤسساتية لتجديد النخب السياسية وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، معتبرا أن مسار التنمية الذي تعرفه المملكة يندرج ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الولاية الحكومية.
رهان الصمود أمام الأزمات
وترى الحكومة أن السنوات الأخيرة شكلت اختبارا حقيقيا لقدرة المملكة على مواجهة الأزمات، بعدما شهدت عدة مناطق كوارث طبيعية، أبرزها زلزال الحوز والفيضانات التي عرفتها مناطق مختلفة، وهو ما فرض تعبئة مالية ولوجستية كبيرة لإعادة الإعمار وضمان استمرارية الخدمات العمومية.
وبحسب المنشور، فإن هذه التجارب عززت توجه الدولة نحو تطوير آليات التدخل الاستباقي في مواجهة الكوارث، مع الحرص على الحفاظ على استقرار المالية العمومية ومواصلة تمويل المشاريع الاجتماعية والاقتصادية دون الإخلال بالتوازنات الكبرى.
نمو اقتصادي مدفوع بتنويع القطاعات
وترى الحكومة أن الاقتصاد الوطني تمكن من الحفاظ على منحى تصاعدي خلال السنوات الماضية بفضل تنويع مصادر النمو، حيث سجل متوسط نمو يناهز 4.6 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، بينما تتوقع بلوغ نسبة 5.3 في المائة خلال سنة 2026.
وتعتبر الحكومة أن هذه المؤشرات تعكس تراجع تأثير التقلبات المناخية على الأداء الاقتصادي، نتيجة تنامي مساهمة القطاعات الصناعية والخدماتية، بما يعزز قدرة الاقتصاد المغربي على مواجهة الصدمات الخارجية.
الاستثمار في قلب الاستراتيجية
وتراهن الحكومة على جعل الاستثمار الخاص المحرك الرئيسي للنمو خلال السنوات المقبلة، عبر مواصلة تنزيل ميثاق الاستثمار الجديد الذي يستهدف رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي إجمالي الاستثمارات الوطنية في أفق سنة 2035.
وتشمل هذه الرؤية توسيع أنظمة الدعم الموجهة للمستثمرين، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز اللامركزية في تدبير الاستثمار، مع منح المراكز الجهوية للاستثمار دوراً أكبر في استقطاب المشاريع وإخراجها إلى حيز التنفيذ.
الصناعة تواصل تعزيز موقعها
ويبرز المنشور أن السياسة الصناعية للمغرب مكنت من ترسيخ مكانة المملكة ضمن أبرز المنصات الصناعية بالقارة الإفريقية، بفضل تطوير قطاعات استراتيجية مثل السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية.
وتؤكد الحكومة أن المغرب بات يحتل صدارة مصدري السيارات في إفريقيا، مع قدرة إنتاجية تناهز مليون سيارة سنوياً، فيما أصبحت صادرات قطاعي السيارات والطيران تمثل أكثر من 40 في المائة من مجموع الصادرات الوطنية، متجاوزة لأول مرة صادرات الفوسفاط.
الأمن الغذائي ضمن الأولويات
وفي المجال الفلاحي، تؤكد الحكومة استمرار جهودها لتعزيز الأمن الغذائي وتقوية السيادة الفلاحية، رغم التحديات المناخية المتواصلة، مشيرة إلى أن القيمة المضافة للقطاع ارتفعت من 102 مليار درهم سنة 2020 إلى 111.6 مليار درهم سنة 2025، مع توقع بلوغها حوالي 130 مليار درهم خلال سنة 2026.
وترى أن هذه النتائج تعكس فعالية البرامج الموجهة لتحديث القطاع وتحسين إنتاجيته وتعزيز قدرته على الصمود.
السياحة تواصل تسجيل أرقام قياسية
وسلط المنشور الضوء على الأداء الذي يحققه القطاع السياحي، مؤكداً أن المغرب يواصل تعزيز مكانته كوجهة دولية، بعدما استقبل نحو 20 مليون سائح خلال سنة 2025، مع توقع تجاوز هذا الرقم بنهاية سنة 2026.
وتعتبر الحكومة أن هذه النتائج تأتي ثمرة للاستثمارات التي شهدها القطاع، وتحسن البنيات التحتية، وتنامي جاذبية الوجهة المغربية، في أفق مواكبة الاستحقاقات الدولية الكبرى التي تستعد المملكة لاحتضانها خلال السنوات المقبلة.
وفي المجمل، يعكس مشروع قانون المالية لسنة 2027 توجه الحكومة نحو الجمع بين مواصلة الإصلاحات الاقتصادية، وتوسيع الاستثمار، وتعزيز الحماية الاجتماعية، مع الحرص على الحفاظ على استقرار المالية العمومية، بما يضمن استمرار الأوراش التنموية وتحقيق نمو أكثر استدامة وشمولا.

