تعيش مؤسسة الزواج والأسرة في المغرب خلال السنوات الأخيرة على وقع تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية متسارعة، انعكست على أنماط الزواج والاستقرار الأسري والطلاق. وتبرز المعطيات الإحصائية تراجع عدد عقود الزواج من 249.1 ألف عقد سنة 2023 إلى 239.3 ألفا سنة 2024، في وقت تثير فيه أرقام الطلاق نقاشا متزايدا حول مستقبل مؤسسة الأسرة والتحولات التي طرأت على العلاقات بين الأزواج.
وتأتي هذه المعطيات في سياق الإحصائيات التي تنشرها المندوبية السامية للتخطيط حول الأسرة والمرأة المغربية. وكانت المندوبية قد أصدرت نسخة 2025 من نشرتها “المرأة المغربية في أرقام” في 16 أكتوبر 2025، فيما تعتمد بيانات الزواج والطلاق على معطيات وزارة العدل.
وفي قراءة لهذه التحولات، ترى ابتسام العزيزي العلوي، الأستاذة التابعة للأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الرباط سلا القنيطرة، المتخصصة في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، في تصريح لــ”رسالة24″، أن تراجع عدد عقود الزواج لا ينبغي تفسيره باعتباره عزوفا مطلقا عن الزواج، بقدر ما يعكس تغيرا في شروط الدخول إلى مشروع الزواج وفي موقعه داخل المسار الحياتي للشباب المغربي.
وتوضح العزيزي العلوي، أن انخفاض عدد العقود بنحو 3.9 في المائة بين 2023 و2024، وفق الأرقام المشار إليها، لا يعني أن الزواج فقد قيمته الاجتماعية والرمزية، مؤكدة أن الزواج لا يزال يحتفظ بمكانة مهمة داخل المجتمع المغربي، غير أن الانتقال إليه أصبح أكثر تأخرا وتعقيدا.
وتشير إلى أن الشاب أو الشابة أصبحا يربطان قرار الزواج أكثر من السابق باستكمال الدراسة، والحصول على عمل، وتحقيق قدر من الاستقلال الاقتصادي وتوفير السكن. فالاعتماد على مساعدة الوالدين لم يعد بالسهولة نفسها، بعدما أصبح عدد من الأسر ينظر إلى الزواج باعتباره خطوة كبيرة تتطلب الكثير من التدابير والمصاريف.
حيث تفضل أستاذة الأنثربولوجيا الحديث عن “تأجيل للزواج بقدر ما نتحدث عن تراجع فيه”، معتبرة أن العدد المطلق لعقود الزواج يحتاج إلى أن يقرأ إلى جانب تطور سن الزواج وبنية الأعمار، لأن العدد وحده لا يكفي لقياس الإقبال على الزواج بدقة.
وتستحضر العزيزي العلوي في هذا السياق عبارة متداولة بين الشباب المغربي عند سؤالهم عن أسباب عدم الزواج: “واش لقينا ومابغيناش، راه مكاينش معامن، ولاباش…”، معتبرة أن الدخول في علاقة الزواج يعني الدخول في أنواع جديدة من العلاقات الأسرية والعائلية والمجتمعية وهو ما قد يتطلب من الشباب شجاعة خوض غمارها.
وبخصوص العوامل التي تقف وراء ما يوصف بـ”عزوف” الشباب عن الزواج، ترى الأستاذة أن الظاهرة نتاج تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية، موضحة أن البطالة والهشاشة المهنية وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة وتأسيس الأسرة تؤثر بصورة مباشرة في القدرة على الزواج.
غير أنها تحذر من اختزال الظاهرة في العامل الاقتصادي وحده، مشيرة إلى وجود شباب ميسوري الحال وفي وضعية مالية مستقرة لم يتزوجوا بعد، لأسباب ترتبط أيضا بما تكون لديهم من أفكار حول مؤسسة الزواج المغربية.
وتوضح أن هذه الأفكار قد تتشكل بفعل تجارب الآباء وخبراتهم الشخصية، أو بفعل ما يتم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي سواء من خلال تشويه مؤسسة الزواج أو تقديم صورة رومانسية مثالية تصل إلى حد الطوباوية، وهو ما قد يولد لدى الشباب، حسب تعبيرها، “نوعا من الخوف وليس عزوفا”.
ووفق العزيزي العلوي، تغير المسار الاجتماعي نحو الرشد. ففي السابق كان الزواج محطة أساسية للانتقال إلى حياة الراشدين، بينما أصبح كثير من الشباب اليوم يسعون أولا إلى بناء مسار دراسي ومهني وتحقيق قدر من الاستقلال قبل تأسيس الأسرة، بالتزامن مع تراجع دور الأسرة في تشجيع الأبناء على الإقدام على الزواج.
وتربط الأستاذة هذه التحولات أيضا بارتفاع مستوى تعليم النساء وتغير تطلعاتهن إلى الحياة الزوجية، إذ لم يعد الزواج بالنسبة إلى كثير منهن مجرد انتقال اجتماعي منتظر، وإنما أصبح قرارا يرتبط بنوعية العلاقة والتوافق وتقاسم المسؤوليات.
وفي المقابل، لا تزال بعض التصورات التقليدية المتعلقة بأدوار الزوج والزوجة حاضرة، وهو ما يخلق بحسب المتحدثة، توترا بين تطلعات حديثة للزواج وأدوار أسرية موروثة.
وتقدم العزيزي العلوي مثالا على ذلك بما تسميه “فصام 50 في المائة” إذ قد يرغب الشاب المغربي في تقاسم المسؤولية المادية ودعم الأسرة براتب الزوجة، لكنه لا يقبل بالضرورة تقاسم الأعباء المنزلية بالقدر نفسه، انطلاقا من اعتقاد أن المرأة المغربية أكثر قدرة على القيام بالطبخ وغسل الأواني وتنظيف المنزل ومتابعة دراسة الأبناء والالتزام بالعادات والتقاليد المغربية في المناسبات وغيرها.
وتخلص إلى أن المرأة العاملة قد تجد نفسها، في هذه الحالة، مطالبة بتقديم 100 في المائة بدل 50 في المائة من المسؤوليات.
وبخصوص ارتفاع حالات الطلاق، تحذر الأستاذة من التعامل مع الأرقام باعتبارها دليلا مباشرا على تفكك الأسرة، معتبرة أن الطلاق، بالعودة إلى المرجعية الدينية، يمثل حلا لمشكلة وليس المشكلة في حد ذاتها.
وترى أن الطلاق في حد ذاته لا يكشف طبيعة العلاقة الزوجية ولا الظروف التي أدت إلى انتهائها، مشيرة إلى أن التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة غيرت كثيرا من نظرة الأفراد إلى الزواج ومن انتظاراتهم منه.
وتوضح أن الزوجين أصبحا أكثر تطلعا إلى علاقة تقوم على التفاهم والاستقرار وتقاسم المسؤوليات، في وقت تراجع فيه، إلى حد ما، القبول بالاستمرار في علاقة زوجية يسودها التوتر أو يصعب التعايش داخلها.
وساهم تغير وضع المرأة وارتفاع مستوى استقلاليتها، إلى جانب تراجع النظرة الاجتماعية السلبية إلى الطلاق، في جعل قرار إنهاء العلاقة الزوجية أكثر قبولا مما كان عليه في السابق، خاصة بالنسبة إلى النساء.
وتضيف أن تراجع التزام بعض الرجال بمسؤولياتهم، سواء بسبب الجهل ببعضها أو الخلط بين ما هو ضروري وما هو كمالي، يساهم بدوره في توتر العلاقات الزوجية، مؤكدة أن من الضروري معرفة ما على كل طرف من واجبات قبل الحديث عما له من حقوق.
وترفض العزيزي العلوي الاستنتاج بأن ارتفاع الطلاق يعني بالضرورة أن زيجات الأجيال السابقة كانت أكثر استقرارا أو نجاحا، موضحة أن الضغوط العائلية والاجتماعية، وأحيانا التبعية الاقتصادية، كانت تدفع كثيرا من الأزواج إلى الاستمرار في علاقات متعثرة.
ومن ثم، فإن ارتفاع الطلاق يعكس، إلى جانب المشكلات التي تواجهها الأسرة، تحولا في علاقة الأفراد بالزواج وفي الحدود التي أصبحوا يضعونها للاستمرار فيه.
وعن أثر التحولات في منظومة القيم على مؤسسة الزواج، تؤكد الأستاذة أن التأثير واضح، لكنها تفضل الحديث عن إعادة ترتيب للقيم وليس انهيارا لها.
فالأسرة والزواج، بحسب رأيها، ما زالا يحتلان مكانة مهمة، لكن معنى الزواج نفسه تغير. وهناك انتقال نسبي من الزواج القائم أساسا على الأدوار المحددة اجتماعيا إلى زواج ترتفع داخله مطالب التوافق العاطفي والحوار والاحترام وتحقيق الذات وتقاسم المسؤوليات.
وأصبح الفرد أكثر حضورا في اختيار الشريك وفي تحديد ما ينتظره من العلاقة، في الوقت الذي لم تختف فيه القيم التقليدية بشكل كامل.
وترى العزيزي العلوي أن الأسرة المغربية تعيش نوعا من التعايش والتفاوض بين منظومتين: منظومة تؤكد الأدوار التقليدية والسلطة والتكامل وفق تقسيم موروث للمهام، وأخرى تعطي أهمية أكبر للمساواة والاستقلالية والتفاوض بين الزوجين.
وقد يكون هذا التداخل، حسب المتحدثة، مصدرا لبعض التوترات، لأن التحولات في تطلعات النساء والرجال لم تحدث دائما بالسرعة نفسها التي تغيرت بها الممارسات والأدوار داخل الأسرة.
ولا تتوقف آثار هذه التحولات عند مؤسسة الزواج وحدها، إذ ترى العزيزي العلوي أن استمرار الاتجاه على المدى الطويل قد يقود إلى تحولات أعمق من مجرد انخفاض عدد الزيجات.
فتأخر الزواج يرتبط عادة بتأخر تكوين الأسرة والإنجاب، وقد يساهم، إلى جانب عوامل أخرى، في انخفاض الخصوبة وتسارع التحول الديموغرافي وارتفاع متوسط أعمار السكان.
أما ارتفاع الطلاق، فيؤدي إلى تنامي أشكال أسرية مختلفة، من بينها الأسر أحادية الوالد، ويطرح تحديات مرتبطة بالنفقة والسكن وحضانة الأطفال وتوزيع أعباء الرعاية، وقد تكون آثاره الاقتصادية والاجتماعية أشد على الأسر محدودة الدخل.
لكن الأستاذة تحذر في الوقت نفسه من اعتماد خطاب يعتبر كل تغير في شكل الأسرة “تفككا” مؤكدة أن الأسرة المغربية لا تختفي، وإنما تتغير بنيتها وعلاقات السلطة والأدوار والتوقعات داخلها.
وتضع العزيزي العلوي سؤالا أوسع أمام هذه التحولات، معتبرة أن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون فقط: لماذا يتزوج المغاربة أقل ولماذا يطلقون أكثر؟ بل أيضا: هل ما زالت المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية قادرة على مواكبة النموذج الجديد من الزواج والأسرة الذي يتشكل داخل المجتمع المغربي؟
وترى أن الأهم من طرح سؤال تراجع الزواج وتفاقم الطلاق هو الإسراع في إعداد خطط تقلل من الظاهرتين وتخفف نتائجهما، خصوصا على الأطفال في حالات الطلاق.
وتدعو في هذا السياق إلى دعم فكرة الزواج الناجح وشروطه ومسؤولية الزوجين وعواقب الانفصال في حالة وجود الأطفال، وإدراج هذه القضايا ضمن البرامج الدراسية.
وتشير إلى وجود مادة في المنهاج المغربي بالسلك الإعدادي تعنى بالأسرة والتحولات التي عرفتها وأدوارها، تحت مسمى “التربية الأسرية” لكنها بحسب المتحدثة، غير معممة وتتجه نحو الزوال بسبب عدم تخريج أساتذة متخصصين فيها منذ مدة.
كما تقترح إضافة وثيقة إلى لائحة وثائق طلب الزواج، تفيد بتلقي الزوجين تكوينا وتدريبا لمدة محددة قبل الزواج، من خلال الاستفادة من دروس ومناقشات وندوات وتداريب استباقية حول الأزمات التي قد تعرقل سير مؤسسة الزواج.

