بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
يتواصل الجدل أو التصعيد الممنهج والمضلل بشأن أحداث الاقتحام الجماعي المدبر لمهاجرين غير نظاميين لمعبري سبتة ومليلية المحتلتين، والموجه بالخصوص للإساءة لصورة المغرب وضرب مصالحه وعلاقاته الإقليمية والدولية والبحث عن مداخل خبيثة للتخريب والتشويش ونشر الفوضى، وتشويه كل الجهود المبذولة للتعاون والتضامن بين المغرب ومحيطه الإفريقي والأوروبي من أجل معالجة شاملة لمعضلات الهجرة، والنأي بهذا الملف الشائك والمشترك عن الاستغلال السياسوي والإيديولوجي لتصفية حسابات ضيقة بين الدول المعنية بالمشكل وبالحل أيضا.
إن الضغط الكبير الذي يتحمله المغرب بكل مسؤولية واقتدار وتعاون في مواجهة الزحف المتواصل لأفواج المهاجرين الذين تؤطرهم وتوجههم شبكات التجارة في آلام الشعوب ومآسي المواطنين وأحلامهم بالجنة الأوروبية، لم يقدر حق قدره من طرف شركائه في هذا الملف الذين يتحملون فيه كامل مسؤولياتهم في توسيع جرحه، وزيادة جرعات استغلاله الخبيث لابتزاز المغرب وتحميله وحده مسؤولية ما يحدث بين الفينة والأخرى من اندلاع المواجهات والاقتحامات لتجمعات مهاجرين سريين، اتخذوا من بوابة المغرب نقطة انطلاق للعبور نحو الضفة الأخرى، تحت يافطة مشوهة عنوانها المدبر هو “الهروب الكبير من المغرب”، ولحظتها الدالة على هذه النوايا السيئة المبيتة والمخطط لها هو القفز على احتفالات المغرب بمكتسباته والإعلان في مناسبة وطنية غالية، عن الحصيلة الإيجابية لجهوده التنموية والديمقراطية والديبلوماسية في توطيد دعائم الاستقرار والاستثمار والأمن والسلام والثقة في المستقبل، وزرع الأمل لدى الشباب الوثاب خاصة، وذوي المطالب الاجتماعية والانتظارات من دولتهم وحكومتهم، في مواجهة خطاب الإحباط والتحريض والتيئيس والتجهيل.
لقد تناست دول المنطقة المتوسطية المعنية بملف الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وفي سياق إقليمي معقد، وفي ظل غياب الشريك الموثوق والملتزم والمسؤول والمتعاون، الدور الأمني والإنساني الذي تنوء به الجبال في تحمل المغرب وحده مسؤولية إحباط العديد من المحاولات اليومية للتسلل إلى الضفة الأخرى، ولم تكتف هذه الدول بالصمت عن نقل الحقائق وإنصاف الشريك المغربي، والتجاهل التام لدعواته إلى تنسيق عال ومناسب لدعم جهوده في تدبير ملف الهجرة، والانخراط جنبا إلى جنب في مقارباته لظاهرة الهجرة التي تتجاوز المقاربة الأمنية المحض إلى مقاربات تنموية وإنسانية وحضارية، بل قامت عكس ذلك بالتحريض المباشر وغير المباشر على استقطاب بلادنا للمرشحين للهجرة غير الشرعية، وإغراق حدوده عبر الإغراء باقتحامها والانسلال إلى المعابر رفقة عدد من مواطنينا الذين تم الركوب على مطالبهم وانتظاراتهم وهشاشة وضعياتهم الاجتماعية لمعانقة الحلم الأوروبي الوهمي، ثم اغتنام الفرصة وانتظار أن تحدث الهجمات الجماعية والمواجهات مع السلطات المغربية، لتسليط الضوء المركز على مشاهد الفوضى والانفلات الأمني، بهدف واحد ووحيد هو نقل صورة مكثفة ومغالطة عن هروب المغاربة من وطنهم الذي تنعدم فيه، بحسب التعليقات المرفقة بالصور والفيديوهات، كل شروط العيش الكريم. فهل بهذا التحريف والتضليل والاستغلال والابتزاز والإغراق والإغراء يمكن لأوروبا ولإسبانيا خاصة ولدول المنطقة الإفريقية التي تصدر إلى المغرب أزماتها مع هجرة مواطنيها، أن تساهم مع المغرب، دولة العبور النهائي والأساسي نحو أوروبا، بل دولة الإقامة لعدد من المهاجرين الأفارقة، في حل معضلات تدفق المهاجرين غير الشرعيين، إذ بدل أن تكون هذه الدول على الأقل جزءا من الحل، صارت طرفا مباشرا في تفاقم الوضع، وتصعيد التسلل وتسهيله وتعقيد مهمة المغرب الحضارية والديبلوماسية والإنسانية في إرساء مقاربته التشاركية الشاملة في تدبير معضلة الهجرة من بين معضلات مشتركة مرتبطة بها أيضا تتعلق بالإرهاب والتجارة بالبشر والتهريب وغيرها.
لتعلم هذه الدول المعنية والمتملصة من مسؤولياتها والمتهمة لبلادنا، أنه لولا المغرب المتعاون وتضحياته وتسوياته الداخلية لملف الهجرة السرية على حدوده ومعابره وشواطئه الممتدة، لما نعمت هذه البلدان بيوم هادئ وسالم من تهديدات ومخاطر الهجرة السرية المنظمة والتسلل الكاسح، وهي اليوم بكل شماتة وخبث تنقل صورا بشعة عن فوضى الهجرة السرية في المعابر المغربية، وباستعذاب الفرجة في مآسي المواطنين البسطاء، وبإطلاق حرب إعلامية ودعائية شرسة لابتزاز المغرب ومساومته، استعمل فيها ملف الهجرة غير النظامية للتأثير السلبي في الشراكات والالتزامات المغربية وفي العديد من الاستحقاقات التي يقدم المغرب على كسب تحدياتها، وعلى رأسها انتزاع الاعترافات الدولية بأدواره الإقليمية الوازنة خاصة في تأمين الاستقرار والسلام وتنظيم تظاهرات قارية ودولية ناجحة ورائدة في المنطقة، وليس هذا استنتاجا ولا رجما بالغيب، بل تلهج به ألسنة وتقارير وتصريحات ومطالب رافقت بكل خبث هذه الحملات الإعلامية والسياسية على خلفية أحداث سبتة ومليلية المدبرة لهذا الغرض، ومنها التلويح بسحب تنظيم المغرب لكأس العالم 2030، أو في أقل تقدير عدم تمكينه من احتضان نهائي هذه التظاهرة الكبيرة، وكذلك الدعوة إلى إدانة المغرب بسبب انتهاكات لحقوق الإنسان والحق في حرية الصحافة والإعلام والتعبير، مقابل تبييض صحيفة الانتهاكات الإسبانية وسلطات الاحتلال بسبتة ومليلية، وإخراجهما من الصورة ومن المسؤولية ومن حملة الإدانة، بل وتصوير إسبانيا كضحية للمغرب في تدبيره لملف الهجرة السرية، وبلغت الحملة أوجها في اختراقها للوعي العربي والإسلامي والإفريقي المفروض فيه أن يكون أكثر تضامنا في مواجهة الخطاب الاستعماري وخطاب الهيمنة والابتزاز للشعوب والدول المستهدفة في ثرواتها ومقاومتها للاحتلال والاستعمار، فسبتة ومليلية المغاربيتان والإفريقيتان والعربيتان والإسلاميتان، تحولتا في هذا الوعي المغاربي والعربي والإسلامي والإفريقي المزيف والمضلل إلى مدينتين إسبانيتين، وكان من الجارح للتاريخ العربي والإسلامي والإفريقي لهاتين المدينتين السليبتين اللتين يتسلل المهاجرون السريون منهما نحو أوروبا، أن توصفا في قناة تلفزية عربية شهيرة، وفي أكثر من خبر على أنهما مدينتان إسبانيتان، نكاية في المغرب وتملقا وتزلفا لإسبانيا، ويقوم دعاة محسوبون على علماء المسلمين والمجاهدين والمقاومين بدعم إسبانيا في احتلالها للمدينتين، واعتبار رئيس الحكومة الإسبانية من الداعمين للقضايا القومية العربية، وما شكله هذا التزييف للوعي العربي والإسلامي والإفريقي التحرري، من شرعنة للاحتلال، في سابقة من نوعها تمثل بحق أقصى وأقسى درجات الخذلان والخيانة القومية والإسلامية، فقط لشفاء عقدة نفسية وتاريخية من المغرب الصامد والمرابط على ثغوره، في انتظار تغير موازين القوى والوصول إلى تفاهمات ومفاوضات لاسترجاع حقوقه في كامل ترابه الوطني وتحرير بقايا الجيوب والثغور المحتلة.
ليس جديدا ولا مفاجئا ألا يكون للحق المغربي الأبلج بواكي ولا أنصار من أشقائه، لكن لهم أن يعلنوا عليه كل أشكال الحقد وترويج صور ودعايات الاستعمار والفرح بإذايته وقصفه للجناح الغربي للأمة، والمسارعة إلى تقديم الخدمات الإعلانية والإعلامية والدعائية لطمس الحقيقة، وضرب نهج المملكة في مواجهة العدوان على الأمة، والدفاع عن قضاياها الشرعية والعادلة، وعلى رأسها تحرير الأرض والإنسان من الارتهان للاستعمار والاحتلال، ودعم الوحدة الترابية لدولها وشعوبها.
إن صور مآسي الهجرة السرية عبر معبري سبتة ومليلية السليبتين، التي يكرر علينا الإعلام الإسباني وبتضامن من الإعلام الأوروبي والعربي، لا تسائل المغرب المتعاون والشريك في مواجهة ملف الهجرة غير الشرعية، بالقدر الذي تسائل فيه جميع الدول والمجموعات الدولية الشريكة عن أدوارها المفترض أن تؤديها في تحمل عبء الهجرة السرية التي أغرت بها، ودعت إليها وحرضت عليها، وأغرقت حدودنا ومعابرنا بالمشاكل والمعضلات التي استهدفت بها أمن المغرب واستقراره، متناسية أن أمن المغرب واستقراره وحريته من أمنها واستقرارها وحرياتها، وكل مساس بالمغرب أو تشويش على عمله الأمني والإنساني والديبلوماسي والتنموي، هو عمل تخريبي غير مسؤول ومدان، يضع يده في يد لوبيات وشبكات الفتنة والفساد والجريمة المنظمة والتجارة في البشر العابرة للحدود، ولا يستحق منا إلا إمطاره باللعنات، ونزع اليد من أيدي كل دولة مسؤولة وشريكة، ظهر منها الغدر والتورط والخديعة واستغلال حسن نية المغرب في التعاون على الحل الشامل والتنسيقي لملف شائك ومتشابك، المسؤول الأول عنه هو القوى الشريكة والمعنية به التي تمسك بخيوطه لحساباتها الخاصة، وتوظفه كورقة ابتزاز ومساومة وحرب على الشريك المغربي في كل مناسبة سعيدة للمغرب، وفي محاولة منها لشغله وشيطنته وإخضاعه، ووقف صعوده وتشويه صورته، بعد أن عجزت عن مجاراته ديبلوماسيا وسياسيا وعسكريا وفي تنافس ندي شريف ونبيل.

