آخر أخبارتقاريرمستجدات

ارتفاع منسوب البحار يهدد ملايين البشر

لم يعد ارتفاع مستوى سطح البحر قضية بيئية مرتبطة بالفيضانات وتآكل السواحل فقط، بل بات يطرح تداعيات مباشرة على مستقبل ملايين الأشخاص، وعلى الأراضي الموروثة والهوية الثقافية وحتى الوضع القانوني للدول المهددة بالغمر.

ووفق تقرير نشره موقع أخبار الأمم المتحدة، فإن تسارع هذه الظاهرة بفعل تغير المناخ قد يدفع نحو نزوح جماعي للسكان، مع تقديرات تشير إلى إمكانية اضطرار نحو 1.2 مليار شخص إلى الانتقال بحلول عام 2050 بحثا عن مناطق أكثر أمنا ومصادر جديدة للعيش.

وتظهر المعطيات الأممية أن وتيرة ارتفاع مستوى البحار تتسارع بشكل لافت، فبعد تسجيل متوسط سنوي قدره 4.7 مليمترات بين 2014 و2023، ارتفع المعدل إلى 5.9 مليمترات خلال عام 2024. وتتوقع السيناريوهات المناخية ارتفاع مستوى المحيطات بنحو 55 سنتيمتراً بحلول نهاية القرن في أفضل الحالات، بينما قد يتجاوز الارتفاع مترا واحدا في السيناريوهات الأكثر سوءا، مع احتمال بلوغ مستويات تقارب مترين إذا استمرت الانبعاثات العالمية المرتفعة.

ويرتبط هذا المسار أساسا بذوبان الأنهار والصفائح الجليدية والتمدد الحراري لمياه المحيطات التي تمتص الجزء الأكبر من الحرارة الزائدة الناتجة عن الاحتباس الحراري.

وتتركز المخاطر بشكل خاص في المناطق الساحلية المنخفضة، حيث يعيش نحو 770 مليون شخص، أي قرابة شخص واحد من كل عشرة حول العالم. ويؤدي تقدم مياه البحر إلى تملح مصادر المياه الجوفية والأراضي الزراعية، فضلا عن تعريض المستشفيات والمدارس وشبكات الصرف الصحي والبنيات الأساسية للفيضانات، ورفع مخاطر الأمراض المرتبطة بالمياه. ويهدد الظاهرة قطاعات اقتصادية حيوية، في مقدمتها الصيد والسياحة، بينما تواجه الموانئ التي تمر عبرها أكثر من 80 في المائة من التجارة العالمية مخاطر متزايدة بفعل ارتفاع المياه والعواصف الساحلية.

ولا تتوزع تداعيات الأزمة المناخية بشكل متساوٍ، إذ تتحمل الدول والمناطق الأقل مساهمة في انبعاثات الغازات الدفيئة جانباً كبيراً من الخطر، خصوصاً الدول الجزرية والمناطق الساحلية الفقيرة. وتشير المعطيات إلى أن بعض جزر المحيط الهادئ قد تشهد ارتفاعا يفوق المتوسط العالمي بأكثر من الضعف، في حين تواجه مدن دلتاوية كبرى مثل دكا ومومباي وكولكاتا مخاطر متنامية، إلى جانب مدن ساحلية عالمية مثل ميامي ونيويورك وغوانغتشو.

وتتجاوز كلفة الظاهرة الأضرار البشرية والبيئية إلى خسائر مالية ضخمة، إذ تجاوزت أضرار البنية التحتية الساحلية 1.8 تريليون دولار، فيما قد تصل الخسائر الاقتصادية السنوية عالميا إلى نحو 1.4 تريليون دولار في حال عدم اتخاذ إجراءات فعالة للتكيف.

وتكبدت الدول الجزرية الصغيرة النامية خسائر قدرت بنحو 153 مليار دولار خلال الفترة الممتدة بين 1970 و2020، بينما سجلت الولايات المتحدة ارتفاعاً بنسبة 33 في المائة في أقساط التأمين على المنازل بين 2020 و2023.

ويحذر التقرير كذلك من أن الأزمة قد تصل إلى مستوى يمس هوية المجتمعات وسيادة الدول، إذ يمكن أن يؤدي غمر الأراضي المتوارثة إلى اختفاء مواقع ذات قيمة تاريخية وثقافية وتغيير أنماط الحياة التقليدية، فضلا عن إثارة تساؤلات قانونية حول وضع الدول والمناطق البحرية إذا فقدت أجزاء من أراضيها بصورة دائمة.

ويبرز في هذا السياق خطر نهر ثويتس الجليدي في القارة القطبية الجنوبية، الذي قد يؤدي انهيار أجزاء كبيرة منه إلى زيادة خطيرة في مستوى سطح البحر.

ويوصي التقرير بتسريع خفض الاعتماد على الوقود الأحفوري بالتوازي مع تعزيز إجراءات التكيف، من خلال أنظمة الإنذار المبكر والحواجز البحرية وحماية أشجار المانغروف وإعادة تأهيل الكثبان الرملية، فضلا عن التخطيط لعمليات انتقال سكاني منظمة في المناطق التي يصبح استمرار الاستقرار فيها غير ممكن.

ويشدد على ضرورة توفير تمويل أكبر للدول النامية، التي تحتاج، وفق المعطيات الواردة في التقرير، إلى ما بين 310 و365 مليار دولار سنوياً لتمويل إجراءات التكيف مقابل نحو 26 مليار دولار فقط خلال 2023. وبذلك، يتحول ارتفاع مستوى البحار من تحد بيئي إلى قضية عالمية متعددة الأبعاد تمس الأمن والاستقرار والاقتصاد وحقوق الإنسان والذاكرة الثقافية والسيادة الوطنية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock