آخر أخبارحديث الأربعاءرأيمستجدات

موقف إسباني مسؤول ومحترم

بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –

لم يسع إسبانيا بعد شهر من المحاولات التضليلية والإيديولوجية العدوانية التي مارستها جماعات الضغط واللوبيات المتطرفة ومنظمات التجارة في المآسي والأزمات، والأبواق الإعلامية المأجورة لإدانة المغرب على خلفية أحداث الهجرة الجماعية في معبر سبتة، إلا أن تقر رسميا وعلى لسان رئيس وزرائها السيد بيدرو سانشيز، وبشكل قطعي ببراءة المغرب من افتعال هذه الأحداث أو الضلوع فيها، ليس فقط لانعدام الدليل على أي تورط من قريب أو بعيد للمغرب في هذه النازلة، بل لأن إسبانيا الرسمية المعنية بهذه الموجة من الهجرة تتابع أجهزتها العسكرية والاستعلاماتية ومؤسساتها الحكومية عن كثب كل صغيرة أو كبيرة بشأن الالتزام المغربي الصارم باحترام الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة بالأمن والاستقرار ومحاربة تهريب البشر أو الهجرة السرية التي يعتبر المغرب من ضحاياها، ومن بين أكثر الدول في المنطقة تضررا من موجاتها، ومن مخططات استثمارها في تأزيم علاقاته مع شركائه الإسبان والأوروبيين وكذا مع المجموعة الإفريقية، واستغلالها في إجهاض وضرب صورته كبلد صاعد متعاون وشريك موثوق وذي مصداقية، خصوصا وأن هذه الحملة الممنهجة والمنظمة لإقحام ملف الهجرة السرية على مسار العلاقات المغربية الأوروبية وعلى مسار النجاحات التي يحققها المغرب في ميادين التنمية والاستثمار في المشاريع النهضوية الكبرى والاستقطاب الباهر للدعم الدولي لقضاياه الوحدوية، والإشادة بقوته الناعمة في تدبير الأمن والاستقرار في المنطقة، ولريادته في توطيد دعائم السلام، قد تزامن مع احتفالات المغاربة بمناسبة وطنية كبيرة وجليلة يقدم فيها عاهل البلاد أنصع صور الطمأنينة والأمل في غد أفضل للمسار التنموي للبلاد، ويستحيل على بلد يسعى لأن يسوق للعالم صورة جميلة وطيبة عن جهوده الرائدة، ورهاناته لكسب معارك ضد الفوضى الإقليمية، ويستثمر بقوة في جذب الاستثمارات وتنظيم التظاهرات الدولية الكبرى، والإقناع بخياراته السلمية، أن يدبر مثل هذه الأحداث المؤسفة التي يخسر فيها كل ما كسبه، ويعطي لعدوه وخصمه والمتربص بأمنه وصورته الطيبة في حل الأزمات والدفاع عن شراكات استراتيجية قوية، فرصة لنسف بنائه، والانتكاس بجهوده، وخسارة مكتسباته، وعلى رأسها ثقة المجتمع الدولي في توجهه وسياسته الخارجية المبنية على احترام المعاهدات والوفاء بالالتزامات.

التفسير الوحيد لاندلاع هذه الموجات من الهجرة السرية والفوضوية المؤذية وفي جنح الظلام، والتي سلطت عليها أضواء الكاميرات وألسنة حداد من التعليقات والدعايات ضد المغرب، وفي غمرة الاحتفال بمناسبة وطنية مغربية عزيزة وغالية، هو خطف الأنظار من نجاحات المغرب، وتحويل عرسه الوطني إلى مأساة في إطار الحرب الدعائية والسيبرانية المكثفة للإساءة لصورة بلد في قلب المواجهة مع نزعات الشر، وعامل استقرار وسلام في المنطقة.

إن من له مصلحة في هذه الإساءة هو الذي أكمل صورة المأساة التي خطط لها بالحملات الإعلامية المغرضة والتضليلية للرأي العام الإسباني والدولي بشأن واقعة معبر سبتة، التي ضرب بها عصافير عديدة بحجر واحد هو حجر الهجرة السرية التي استعملها سلاحا في حربه ضد المغرب، وواجهة لتصفية حساباته الضيقة معه.

لقد اتضح من سياق وملابسات واقعة الهجرة الجماعية المنظمة إلى معبر سبتة خاصة، أنه ليست إسبانيا ولا أوروبا من تستهدفهما بالدرجة الأولى مخططات الاستثمار في الأزمات والمتاجرة بالبشر وبتطلعات أجيال وفئات من المواطنين ذوي الحاجات والانتظارات والمطالب، بل المغرب حصرا وقطعا، بالنظر إلى حجم الإساءة والضرر الذي تعرضت له مصالحه، ولولا الحكمة والهدوء والبصيرة وبعد النظر وإحاطة بخيوط اللعبة، وكثير من التجاهل، التي دبر بها الواقعة المؤسفة، بما في ذلك عدم الإساءة أو الإضرار بضحايا هذا المخطط التجييشي والتهجيري المدفوعين إلى الاحتكاك والاصطدام بقوات الأمن، لكانت الواقعة كارثة حقيقية في المنطقة تسير بهولها الركبان. فقد تجنب المغرب مرة أخرى الوقوع في الفخ المنصوب له وفي الضرر الأكبر، وأدركت إسبانيا براءة المغرب من كل ما ألصق به من تهم، وإن متأخرا، ورغم اطلاعها المسبق الاستعلاماتي والاستخباراتي على المخطط المدبر للإيقاع بعلاقتها المتميزة مع المغرب. فهل تبتلع إسبانيا الشعبية الطعم المسموم المدسوس لإرضاء نزعات انتخابوية وسياسوية تستثمر بدورها في الملف المغربي من أجل مكاسب عاجلة ومضللة تتصور منها إمكانية العودة إلى علاقات غير متوازنة وغير متكافئة مع المغرب، إذ يستحيل على إسبانيا ومعها حليفها الأوروبي أن يدبرا بمفردهما، وبرؤية نمطية وأحادية بل وكولونيالية ملف الهجرة غير النظامية والأمن الإقليمي، دون الأخذ بعين الاعتبار مطالب المغرب ومصالحه في التعاون والشراكة الجدية والبناءة، فليس لا لأوروبا مجتمعة ولا لإسبانيا بمفردها، أن تتصورا أنهما الآمر الناهي الذي بيده الحل والعقد بشأن ملف الهجرة، وأن تُقْدِما مرة أخرى على طرق الباب المسدود لإسداء النصح وإعطاء الأوامر والدروس والتوجيه لدولة عريقة ومحترمة ترفض رفضا باتا منطق الابتزاز والمساومة الرخيصين، ومنطق الاستعلاء والاستكبار الذي عكسه إعلام أوروبي وإسباني استعماري بئيس ولا خلاق له.

إن الجهة أو الجهات الخارجية المستفيدة من الأحداث المدفوعة لاقتحام معبر سبتة، قد أبدت من خلال تصعيدها لهجماتها ضد المغرب، وتعبيرها عن مقصودها من الإساءة إليه وإلى استحقاقاته الدولية ومصالحه الإقليمية التي يعمل على استكمال عدد من مساراتها الناجحة، استعدادها للانخراط في الصفوف الأمامية للحرب على المغرب، وأنها جبهة مكشوفة في معركة طاحنة وضروس لا يمثل فيها ملف الهجرة السرية إلا مقذوفا من مقذوفاتها لرشق العلاقات المغربية الأوروبية المتنامية والوازنة والمتقدمة بوابل من الرصاص، علّ الزمان يعود إلى الوراء حيث الغموض والحذر والتربص والشكوك والرماد سيد الميدان، بعد أن قضى المغرب على كل أمل في هذه العودة إلى هذا الوضع الرمادي في علاقاته وصداقاته وشراكاته مع أي دولة أو مجموعة قارية تنشد صدق الصداقات ونجاعة الشراكات وعمقها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock