تطرح لوائح الترشيح للانتخابات التشريعية لسنة 2026 من جديد سؤال تمثيلية النساء ومدى احترام مبدأ المناصفة وتكافؤ الفرص داخل الأحزاب السياسية. وفي هذا الحوار مع “رسالة 24″، تتوقف الحقوقية سعيدة الإدريسي عند أبرز الاختلالات التي رافقت عملية الترشيح، مسلطة الضوء على محدودية حضور النساء في مواقع متقدمة، وتأثير المال والنفوذ العائلي والاجتماعي، إلى جانب تحديات الديمقراطية الداخلية للأحزاب.
ما أبرز الملاحظات التي سجلتموها بشأن حضور النساء في لوائح الترشيح للانتخابات التشريعية المقبلة؟
أولى الملاحظات التي يمكن تسجيلها هي أن أغلب اللوائح تضم الرجال في مواقع متقدمة، في حين يظل حضور النساء محدودا، خصوصا في مواقع القيادة ورئاسة اللوائح القابلة للفوز. وهذا يطرح من جديد إشكالية المعايير المعتمدة في اختيار المرشحين والمرشحات.
فإلى جانب المعايير المعلنة، هناك معايير أخرى غير واضحة، من بينها القدرة المالية. وقد لاحظنا أن بعض المرشحين أو المرشحات يتم اختيارهم بناءً على قدرتهم على المساهمة المالية داخل الحزب، وهو أمر يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص والاستحقاق.
و هناك عامل آخر يتمثل في النفوذ العائلي والاجتماعي؛ إذ قد تستفيد بعض النساء من امتلاك عائلاتهن نفوذا ماليا أو اجتماعيا أو سياسيا، في حين تجد المناضلات اللواتي راكمن تجربة داخل الأحزاب صعوبة في الوصول إلى مواقع متقدمة، رغم سنوات من العمل والنضال السياسي.
هل تعتقدين أن هذه الممارسات تؤثر في فرص النساء في الوصول إلى مواقع القرار؟
بالتأكيد، عندما لا تكون هناك ممارسة ديمقراطية حقيقية داخل الأحزاب، يصبح من الصعب الحديث عن تكافؤ الفرص. فالنساء اللواتي يلجن الأحزاب ويشتغلن داخلها لسنوات ويقدمن الكثير من الجهد، قد يجدن أنفسهن في نهاية المطاف أمام معايير أخرى لا علاقة لها بالكفاءة أو النضال السياسي.
وهنا تظهر إشكالية النفوذ المالي والعائلي والاجتماعي، التي يمكن أن تصبح عاملا حاسما في تحديد من يصل إلى مواقع القرار ومن يتم إقصاؤه منها.وتكمن صعوبة وصول النساء إلى مواقع القيادة داخل الأحزاب ليست وليدة اليوم، وإنما هي مسألة ظلت الحركة النسائية والحقوقية تثيرها باستمرار.
هل سجلتم، رغم ذلك، بعض المؤشرات الإيجابية خلال الاستعدادات للانتخابات الحالية؟
نعم، هناك تطور إيجابي مهم يتمثل في أن عددا من المناضلات بدأن يرفعن أصواتهن بشكل أكثر وضوحا في مواجهة ما يعتبرنه ممارسات غير ديمقراطية داخل أحزابهن.
نحن في الحركة النسائية، ومنذ سنوات، كنا نؤكد أن العديد من المناضلات داخل الأحزاب كن يتجنبن انتقاد القيادات أو الاعتراض على بعض الممارسات، حفاظا على مواقعهن أو تفاديا للصدام مع المسؤولين الحزبيين.
لكن هذه السنة، ولأول مرة، بدأنا نسمع أصواتا نسائية من داخل الأحزاب نفسها تتحدث علانية عن الممارسات غير الديمقراطية التي تعترض مسار النساء، سواء تعلق الأمر بالترشيح أو بموقعهن داخل اللوائح أو بفرص الوصول إلى مواقع المسؤولية. وهذا أمر إيجابي، لأن طرح هذه القضايا بشكل علني يمكن أن يساهم في فتح نقاش حقيقي حول الديمقراطية الداخلية للأحزاب.
وما المطلوب، في رأيك، لتعزيز هذه الأصوات وتحويلها إلى ضغط حقيقي من أجل التغيير؟
المطلوب أولا أن يكون هناك تضامن من داخل الحركة النسائية والحقوقية مع هذه الأصوات، وأن يتم الاستماع إلى تجارب النساء داخل الأحزاب وعدم التعامل معها باعتبارها قضايا فردية.
وينبغي أن تتحول هذه المطالب إلى نقاش مجتمعي وسياسي أوسع، لأن الديمقراطية داخل الأحزاب هي جزء أساسي من الديمقراطية بشكل عام. وإذا كانت الأحزاب نفسها لا تضمن المساواة وتكافؤ الفرص داخل هياكلها، فمن الصعب أن نتوقع منها إنتاج ممارسة سياسية منصفة في المجتمع.
لذلك، من الضروري أن يتزايد الضغط على الأحزاب وقياداتها من أجل مراجعة هذه الممارسات، والانتقال من مجرد الحديث عن حضور النساء بالأرقام إلى ضمان مشاركة سياسية فعلية ومؤثرة.
كيف تقيمين، في ضوء ذلك، مسار المناصفة في المغرب؟
بصراحة، نشعر اليوم بوجود تراجعات مقلقة. وما يقع حاليا يطرح سؤالا أساسيا حول مدى جدية الدولة والأحزاب في تنزيل مبدأ المناصفة الذي نص عليه الدستور.
فالدستور لم يتحدث عن المناصفة باعتبارها مجرد شعار، وإنما جعلها هدفا يتعين السعي إلى تحقيقه. وبالتالي، فإن أي تراجع في هذا المسار ينبغي أن يدفعنا إلى التساؤل حول مدى احترام المقتضيات الدستورية المتعلقة بالمساواة والمشاركة السياسية للنساء.
والمؤشرات التي أشرنا إليها في بيان الائتلاف مقلقة، لأنها لا تمس فقط تمثيلية النساء، وإنما تمس عمق الديمقراطية ومضمون ما جاء به الدستور بشأن المشاركة المنصفة للنساء في الحياة السياسية.
هناك حديث متواصل عن نظام “الكوطا” كآلية لتعزيز تمثيلية النساء. هل ما زالت هذه الآلية كافية؟
الكوطا يمكن أن تكون آلية مرحلية لتصحيح اختلالات تاريخية في التمثيلية، لكنها لا يمكن أن تكون هدفا في حد ذاتها. المطلوب هو الانتقال في نهاية المطاف من التمييز الإيجابي المؤقت إلى تحقيق المناصفة الفعلية.
المشكلة أن الكوطا قد تتحول أحيانا إلى مجرد حضور عددي وشكلي للنساء، دون أن يرافق ذلك تمكين حقيقي لهن من مواقع القرار. ولذلك، فإننا نحتاج إلى آليات تضمن أن تكون المشاركة النسائية فعلية وليست شكلية. وهنا يبرز دور الحركة النسائية والحقوقية في الدفاع عن آليات التمييز الإيجابي، لكن أيضا في مراقبة كيفية تطبيقها، حتى لا تتحول إلى مجرد أرقام.
وما الدور الذي يجب أن تضطلع به الأحزاب السياسية في المرحلة المقبلة؟
الأحزاب السياسية مطالبة بالانتقال من منطق التمثيل العددي إلى منطق المشاركة السياسية الفعلية. فليس المهم فقط كم امرأة توجد داخل اللوائح، وإنما أين توجد؟ وما حجم فرصها في الفوز؟ وما الدعم السياسي والمادي الذي تحصل عليه؟ وهل تتوفر لها إمكانية الوصول إلى مواقع القيادة وصناعة القرار؟
ليست المناصفة امتيازا يمنح للنساء، وإنما هي استحقاق دستوري وديمقراطي وحقوقي. ولذلك، فإن انتخابات 2026 ينبغي أن تكون مناسبة لتصحيح المسار، وليس لإعادة إنتاج نفس الاختلالات.
ومن الضروري أن تتحمل جميع الأطراف مسؤوليتها، لأن تحقيق المساواة في المشاركة السياسية لا يتعلق بالنساء وحدهن، بل بمستقبل الممارسة الديمقراطية برمتها.

