بعد خمس سنوات من إطلاق ورش إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب، لا تزال الفجوة قائمة بين الأوراش القانونية والمؤسساتية التي جرى إرساؤها وبين الأثر الملموس للخدمات الصحية على حياة المواطنين، خاصة في ما يتعلق بالولوج إلى العلاج وكلفته، وتوزيع الموارد البشرية والطبية.
ويستعرض الدكتور طيب حمضي، المختص في النظم والسياسات الصحية، في وثيقة بعنوان “إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب: بعد 5 سنوات”، مجموعة من المؤشرات التي ترصد مسار الإصلاح خلال الفترة الأخيرة، مبرزا أن التحدي لم يعد مرتبطا فقط بتوسيع التغطية الصحية وإنما بتحويلها إلى استفادة فعلية من العلاج وتقليص الكلفة التي يتحملها المواطن.
وتشير المعطيات الواردة في الوثيقة إلى ارتفاع ميزانية قطاع الصحة من 19.7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42.4 مليار درهم المتوقعة سنة 2026، في وقت بلغ فيه عدد المسجلين في التأمين الإجباري عن المرض نحو 32 مليون شخص سنة 2025، أي ما يقارب 88 في المائة من السكان. غير أن عدد المستفيدين فعليا من العلاج يقدر بنحو 25.6 مليون شخص، مقابل أكثر من 8.5 ملايين شخص لا يستفيدون بشكل فعلي من حقوقهم العلاجية.
وتظل الكلفة التي يتحملها المواطن إحدى أبرز العقبات أمام تحقيق الولوج الفعلي إلى العلاج، إذ تغطي الأسر المغربية أكثر من 52 في المائة من إجمالي النفقات الصحية، فيما تشير الوثيقة إلى أن 41.5 في المائة من المغاربة قد يمتنعون عن العلاج أو يتخلون عنه لأسباب مالية. كما لم تعرف التعريفة الوطنية المرجعية مراجعة منذ سنة 2006، ما يساهم في ارتفاع المصاريف المتبقية على عاتق المؤمنين.
وفي جانب الموارد البشرية، تسجل المنظومة الصحية خصاصا يناهز 30 ألف طبيب وأكثر من 60 ألفا من مهنيي الصحة، إلى جانب اختلالات في التوزيع الجغرافي، حيث يتركز 75 في المائة من مهنيي الصحة في ثلاث جهات فقط من أصل 12 جهة، وتشير الوثيقة إلى استمرار نزيف الكفاءات الطبية، مع مغادرة أكثر من طبيبين للمغرب يوميا.
وتلفت الوثيقة كذلك إلى اختلال في توزيع الإنفاق بين القطاعين العام والخاص، إذ تستحوذ المؤسسات الصحية الخاصة على 91 في المائة من تعويضات التأمين الصحي مقابل 9 في المائة للقطاع العام.
ويربط حمضي معالجة هذا الاختلال بضرورة تقوية المستشفى العمومي وتطوير العرض الصحي القريب من المواطنين، حتى لا تتحول التغطية الصحية إلى مجرد تسجيل إداري دون استفادة فعلية من العلاج.
ويقترح المختص، ضمن الأولويات المطروحة مراجعة التعريفة الوطنية المرجعية، والتوسع التدريجي في اعتماد نظام الدفع الثالث بالنسبة للعلاجات الخارجية مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر حاجة، إلى جانب تعزيز الوقاية والطب الأولي وإعادة النظر في تكوين المهنيين وتحسين جاذبية القطاع العام.
ويبرز التقرير أهمية تفعيل المؤسسات الجديدة المرتبطة بحكامة المنظومة الصحية، وفي مقدمتها الهيئة العليا للصحة والمجموعات الصحية الترابية والوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية والوكالة المغربية للدم ومشتقاته، مع اعتماد آليات أكثر ارتباطا بالنتائج والشفافية والمساءلة.

