آخر أخبارحواراتمستجدات

عبد المغيث بنمسعود لـ”رسالة24″: ملف الصحراء المغربية يعيد رسم موقع المغرب في إفريقيا

بمناسبة عيد الوحدة، الذي يستحضر دلالات التشبث بالوحدة الترابية للمملكة، يبرز ملف الصحراء المغربية باعتباره أحد المحددات الأساسية لموقع المغرب في محيطه الإفريقي، في ظل التحولات التي تشهدها المواقف الدولية وإعادة ترتيب العلاقات والتحالفات داخل القارة، ولا تقتصر رهانات هذه التطورات على تعزيز المكاسب الدبلوماسية، بل تمتد إلى كيفية توظيفها في بناء شراكات استراتيجية أكثر رسوخا، وتوسيع الحضور المغربي في منطقة الساحل، وربط التقارب السياسي بمشاريع اقتصادية وتنموية ملموسة.

وفي هذا السياق، تفتح “رسالة 24” الحوار مع عبد المغيث بنمسعود اطريدانو، الأستاذ والرئيس السابق لشعبة القانون العام بجامعة محمد الخامس، نقاشا حول انعكاسات التحولات المرتبطة بقضية الصحراء المغربية على علاقات المملكة الإفريقية، والفرص التي تتيحها المبادرة الملكية الأطلسية، إضافة إلى موقع الأقاليم الجنوبية في تعزيز الربط الاقتصادي مع العمق الإفريقي.

كيف تنعكس التحولات الأخيرة في المواقف الدولية من قضية الصحراء المغربية على علاقات المغرب بدول إفريقيا؟

من شأن المكاسب الدبلوماسية التي حققها المغرب في ملف الصحراء المغربية أن تدفع دولا إفريقية لم تحسم موقفها من النزاع إلى إعادة النظر في توجهاتها، خصوصا في ظل تنامي الدعم للمقترح المغربي للحكم الذاتي. فكلما تعززت مكانة هذا المقترح باعتباره أساسا للتواصل إلى حل سياسي ازدادت فرص انضمام دول جديدة إلى الموقف المغربي.

ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن المقترح الذي قدمه المغرب سنة 2007 أصبح يحظى باهتمام متزايد في النقاش الدولي حول تسوية النزاع، وقد يساهم استمرار هذا الاتجاه في تقليص هامش المناورة أمام الأطراف التي تتمسك بمواقف مخالفة، وفي مقدمتها الجزائر التي ستجد نفسها أمام تحدي مواكبة التحولات الجارية.

ولا يعني ذلك أن التسوية النهائية أصبحت وشيكة، لكنه يعكس تغيرا في البيئة الدبلوماسية المحيطة بالقضية، يمكن أن تستفيد منه المملكة لتعزيز علاقاتها مع الدول الإفريقية وتوسيع دائرة الدعم لموقفها.

إلى أي حد يمكن أن تسهم التطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية في تعزيز حضور المغرب داخل منطقة الساحل، التي تشهد تحولات سياسية وأمنية متسارعة؟

تمنح المكاسب التي يحققها المغرب في قضية الصحراء رصيدا إضافيا من المصداقية داخل القارة الإفريقية، وهو ما يمكن أن يعزز حضورها في منطقة الساحل، خاصة في ظل إعادة ترتيب دولها لعلاقاتها الخارجية. فالمغرب، كلما تعزز موقعه في هذا الملف ازدادت قدرته على تقديم نفسه شريكا سياسيا موثوقا في محيطه الإفريقي.

لكن أهمية هذه المكاسب لا تكمن فقط في تأثيرها على مواقف الدول من قضية الصحراء، بل أيضا في ما تتيحه من فرص لتطوير علاقات المغرب بدول المنطقة. ويظل تحويل هذا الرصيد إلى نفوذ إقليمي فعلي مرتبطا بقدرة المملكة على مواكبة التطورات السياسية بمبادرات عملية تستجيب للتحولات التي تعرفها دول الساحل.

في ظل إعادة دول الساحل ترتيب علاقاتها الخارجية، ما الذي يمكن أن يقدمه المغرب لهذه الدول حتى يتحول التقارب السياسي إلى شراكات استراتيجية فعلية؟

يتعين على المغرب أن يقدم مشاريع ذات مصداقية، تستجيب لحاجيات الدول الإفريقية وتقوم على مبدأ رابح-رابح. فالتقارب السياسي لا يكفي وحده لبناء شراكات استراتيجية ما لم يترجم إلى استثمارات ومبادرات تحقق منافع ملموسة للطرفين.

ويقتضي ذلك دراسة احتياجات كل بلد على حدة، وتحديد المشاريع التي تتلاءم مع أولوياته الاقتصادية والتنموية. فلا يمكن اعتماد مقاربة موحدة لجميع الدول، لأن طبيعة الحاجيات والإمكانات تختلف من بلد إلى آخر، وهو ما يجعل التشخيص الدقيق شرطا أساسيا لنجاح المشاريع.

وبالتالي، فإن الرهان هو بناء علاقات تقوم على الاستجابة الفعلية لمطالب الشركاء الأفارقة، لا على مجرد توقيع الاتفاقيات أو الإعلان عن مبادرات لا تضمن بالضرورة نتائج ملموسة.

كيف يمكن للمبادرة الملكية الأطلسية أن تعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية بين المغرب ودول الساحل، خصوصا في مجالات التجارة والنقل والولوج إلى الموانئ؟

يمكن للمبادرة الملكية الأطلسية أن تشجع دول الساحل على الانخراط في شراكات اقتصادية جديدة مع المغرب، بالنظر إلى ما تتيحه من إمكانات لتسهيل وصول الدول غير المطلة على المحيط إلى الموانئ والأسواق الخارجية.

وتكمن أهميتها في معالجة إحدى الصعوبات التي تواجه هذه الدول، والمتمثلة في نقل منتجاتها وتصديرها. بإحداث ممرات تجارية وتطوير شبكات النقل والطرق من شأنهما تيسير حركة السلع وتعزيز المبادلات الاقتصادية.

غير أن هذه الإمكانات تظل مرتبطة بوجود نشاط اقتصادي داخل الدول المعنية، قادر على إنتاج السلع وتصديرها. فالممرات التجارية لا تحقق أهدافها بمجرد إنشائها، بل تحتاج إلى مشاريع إنتاجية وحركة تجارية فعلية تبرر الاستثمارات المرتبطة بها، ومن ثم فإن نجاح المبادرة يقتضي الربط بين الولوج إلى المحيط الأطلسي وتنمية الاقتصادات المحلية، بما يجعلها قادرة على الاستفادة من هذه البنيات.

ما موقع الأقاليم الجنوبية في هذا التوجه، وكيف يمكن للمشاريع المينائية واللوجستيكية أن تدعم المبادلات التجارية بين المغرب وعمقه الإفريقي؟

يمكن للمشاريع المينائية واللوجستيكية بالأقاليم الجنوبية، أن تدعم الربط التجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي، من خلال توفير بنية تحتية تساعد على نقل السلع وتسهيل وصولها إلى الأسواق. وتزداد أهمية هذا الدور في سياق المبادرة الأطلسية، التي تفتح المجال أمام تطوير المبادلات مع الدول الإفريقية غير المطلة على المحيط.

غير أن فعالية هذه المشاريع تظل رهينة بتكاملها مع شبكات الطرق والنقل، وبوجود أنشطة إنتاجية وتجارية قادرة على الاستفادة منها. فالميناء لا يؤدي دوره الاقتصادي كاملا بمعزل عن المناطق التي يربطها، وإنما تتحدد أهميته بقدرته على خدمة حركة التجارة وتيسير وصول المنتجات إلى وجهاتها.

إلى أي حد يمكن أن تؤثر المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية في منطقة الساحل على قدرة المغرب على توسيع شراكاته الإفريقية؟

تفرض المنافسة بين القوى الدولية والإقليمية في الساحل على المغرب التحرك ضمن بيئة تتعدد فيها المصالح والحسابات الاستراتيجية. غير أن هذه المنافسة يمكن أن تتيح للمملكة فرصا لتوسيع حضورها، إذا استطاعت الاستفادة من علاقاتها المتنوعة وموقعها في شبكة التعاون الإفريقي.

وفي هذا السياق، يمكن للمغرب أن يعزز دوره باعتباره منصة لاستقطاب الاستثمارات الموجهة نحو القارة من خلال توفير الظروف الملائمة للتعاون مع مختلف الشركاء. فالدول والشركات الراغبة في الاستثمار بإفريقيا تبحث عن شركاء قادرين على تسهيل الوصول إلى الأسواق وبناء علاقات اقتصادية مستقرة.

وتتوقف قدرة المملكة على الاستفادة من هذه الدينامية على مدى جاذبية مشاريعها وفعاليتها، وعلى قدرتها على الحفاظ على موقع متوازن بين مختلف القوى بما يسمح لها بتوسيع شراكاتها دون التفريط في مصالحها الاستراتيجية.

كيف يمكن للمغرب التعامل مع استمرار اختلاف مواقف بعض شركائه الدوليين بشأن قضية الصحراء المغربية، مع الحفاظ على مصالحه الاقتصادية والاستراتيجية معهم؟

يقتضي ذلك تنويع العلاقات الخارجية وعدم ربط المصالح الاستراتيجية للمغرب بشريك واحد، فقد عرفت علاقات المملكة مع دول مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا تحولات في المواقف المرتبطة بقضية الصحراء، وهو ما أتاح تطوير العلاقات مع هذه الدول على أساس مواقف أكثر تقاربا مع المقترح المغربي للحكم الذاتي.

وتبرز أهمية هذا المسار في قدرة المغرب على مواصلة علاقاته الاقتصادية والاستراتيجية مع شركائه مع التمسك بثوابته الوطنية. فالتباين السياسي لا يستوجب بالضرورة القطيعة، لكنه يتطلب تدبيرا دبلوماسيا يحافظ على المصالح المغربية ويضمن استقلالية القرار.

فتعدد الشركاء يمنح المملكة هامشا أوسع للتحرك ويقلل من مخاطر الخضوع لطرف واحد، خاصة في ظل التنافس الدولي. والمقصود ليس إضعاف العلاقات التقليدية، وإنما تحقيق توازن يسمح للمغرب بتوسيع خياراته والدفاع عن مصالحه في مختلف الظروف.

ما الشروط التي ينبغي توفيرها حتى تتحول المكاسب الدبلوماسية المرتبطة بملف الصحراء المغربية إلى نتائج ملموسة في مجالات الاستثمار والتجارة والتعاون الأمني بإفريقيا؟

يتطلب تحويل المكاسب الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة الحفاظ على مصداقية المغرب من خلال التنفيذ الفعلي للمشاريع ومتابعة نتائجها. فنجاح الشراكات لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بمدى الوفاء بالالتزامات وتحقيق الأهداف المحددة.

ويقتضي ذلك تقييم المشاريع بصورة مستمرة ورصد الصعوبات التي تعترضها، ومعالجة الاختلالات لتفادي تكرار الأخطاء. كما أن حسن اختيار المشاريع والكفاءات المشرفة عليها عامل أساسي لضمان نجاحها وتعزيز الثقة في المبادرات المغربية.

ومن جهة أخرى، ينبغي أن تقوم الاستثمارات على المنفعة المتبادلة بعيدا عن منطق استغلال الموارد الذي ارتبط تاريخيا ببعض القوى الاستعمارية. فالمطلوب هو بناء شراكات تحقق مصالح المغرب والدول الإفريقية المعنية، وتضمن لهذه الدول فوائد اقتصادية وتنموية واضحة.

وبذلك، فإن ترسيخ المصداقية وجودة التنفيذ، واحترام مصالح الشركاء، تشكل عناصر أساسية لتحويل المكاسب السياسية إلى تعاون اقتصادي مستدام، وتعزيز موقع المغرب داخل القارة الإفريقية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock