سجلت السياحة المغربية خلال السنوات الأخيرة أداء استثنائيا مكنها من تحقيق أرقام قياسية في عدد الوافدين، غير أن الانطباع السائد لدى بعض المهنيين بوجود فتور في الموسم السياحي ببعض الوجهات أثار تساؤلات بشأن حقيقة وضع القطاع. وفي قراءة لهذه المؤشرات، أكد الخبير في السياحة الزوبير بوحوت، في تصريح لـ”رسالة24″، أن الأمر لا يتعلق بتراجع في النشاط السياحي، بقدر ما يعكس انتقال القطاع إلى مرحلة نمو أكثر استقرارا، إلى جانب استمرار التفاوت في استفادة الوجهات من الدينامية السياحية.
وأوضح بوحوت أن السياحة المغربية دخلت، منذ التعافي من جائحة “كوفيد-19″، مرحلة نمو غير مسبوقة، إذ سجل القطاع ارتفاعا بحوالي 34 في المائة سنة 2023 مقارنة بسنة 2022، ثم 20 في المائة سنة 2024، و14 في المائة سنة 2025، ليصل عدد الوافدين إلى نحو 19.8 مليون سائح، وهو ما يعكس، بحسبه، قوة جاذبية الوجهة المغربية وقدرتها على المنافسة في الأسواق الدولية.
وأضاف أن تسجيل نمو في حدود 7 في المائة خلال الأشهر الأولى من سنة 2026 لا ينبغي اعتباره مؤشرا على تراجع القطاع، بل يمثل تباطؤا طبيعيا في وتيرة النمو بعد سنوات من الارتفاعات الاستثنائية. وأبرز أن هناك فرقا واضحا بين انخفاض معدل النمو وبين تراجع حجم النشاط، مشددا على أن المؤشرات العامة ما تزال إيجابية وتسير في منحى تصاعدي.
وأرجع الخبير الشعور السائد لدى بعض المهنيين بوجود تباطؤ إلى ارتفاع سقف التوقعات بعد سنوات الانتعاش القوي، موضحا أن الاعتياد على معدلات نمو مرتفعة يجعل أي تراجع في وتيرة النمو يبدو وكأنه تراجع في النشاط، رغم استمرار القطاع في تسجيل مستويات تاريخية.
وأكد بوحوت أن التحدي الحقيقي الذي يواجه السياحة المغربية اليوم لا يكمن في ضعف الطلب الدولي، وإنما في عدم استفادة جميع الوجهات بنفس الدرجة من هذا النمو، مشيرا إلى أن تنافسية الوجهة السياحية أصبحت ترتبط بعوامل أساسية، من بينها الربط الجوي، وقوة التسويق، وتنوع العرض السياحي، وسهولة الوصول.
وفي هذا السياق، اعتبر أن النقل الجوي أصبح عاملا حاسما في استقطاب السياح، مبرزا أن مدنا مثل مراكش استفادت بشكل كبير من شبكة واسعة من الرحلات الجوية الدولية المباشرة، ما عزز حضورها ضمن أبرز الوجهات السياحية بالمملكة، في حين ما تزال مدن أخرى، من بينها ورزازات، تواجه تحديات مرتبطة بمحدودية الربط الجوي، رغم ما تزخر به من مؤهلات طبيعية وثقافية وسينمائية متميزة.
وأشار إلى أن هذا الواقع يفسر جانبا من التفاوت المسجل بين الوجهات، حيث إن جزءا كبيرا من السياح الدوليين يصلون مباشرة إلى المدن التي تتوفر على خطوط جوية مكثفة، بينما تحتاج وجهات أخرى إلى المرور عبر مطارات وسيطة، وهو ما يحد من تنافسيتها.
وفي تفسيره للانطباع السائد لدى بعض المهنيين بأن الموسم السياحي لم يكن في مستوى التوقعات، أوضح بوحوت أن تقييم الموسم لا يمكن أن يكون موحدا على المستوى الوطني، لأن كل وجهة تتوفر على خصوصياتها من حيث الأسواق المستهدفة وطبيعة المنتوج السياحي، معتبرا أن تفاوت الأداء بين المناطق لا يعني وجود أزمة في القطاع، وإنما يكشف الحاجة إلى توزيع أفضل للنمو السياحي.
وشدد على أن المرحلة المقبلة تتطلب تطوير مسارات سياحية متكاملة تربط بين المدن الكبرى والوجهات الأقل استفادة، بما يسمح بتوسيع دائرة الاستفادة من الدينامية الحالية، إلى جانب تعزيز الربط الجوي، وتحسين النقل الداخلي، وتكثيف الترويج الرقمي.
وختم بوحوت بالتأكيد على أن الاستعدادات لاحتضان كأس العالم 2030 تمثل فرصة استراتيجية لإعادة تعزيز تنافسية مختلف الوجهات المغربية، معتبرا أن الرهان لم يعد يقتصر على استقطاب مزيد من السياح، بل يتمثل في ضمان توزيع أكثر توازنا للعائدات السياحية، حتى تتحول الطفرة التي يعرفها القطاع إلى رافعة للتنمية في مختلف جهات المملكة.

