لم تكن الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الأخيرة مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية، بل تحولت إلى واحدة من أكبر الأزمات الاجتماعية والإنسانية التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، بعدما اندفع عشرات الآلاف من الشباب نحو المدينة المحتلة مدفوعين بمزيج من الإحباط والأمل والشائعات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وترى الورقة التحليلية الصادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة (CAESD)، بعنوان “أزمة سبتة والشباب المغربي”، أن قراءة ما جرى من زاوية أمنية أو حدودية فقط تبقى قراءة قاصرة، لأن الأزمة كشفت عن تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية وإعلامية، جعلت من الشائعة الرقمية محفزا لتحرك جماعي غير مسبوق، في ظل هشاشة سوق الشغل وضعف الوساطة الاجتماعية وفجوة الثقة بين الشباب والمؤسسات.
وتنطلق الورقة من مقاربة إنسانية، معتبرة أن الضحايا والمفقودين والعائدين ليسوا مجرد أرقام في بيانات رسمية، بل أفراد لهم أسر ومستقبل ومشاريع حياة توقفت بشكل مأساوي. وتشدد على أن احترام كرامة الإنسان يقتضي الكشف عن الحقيقة كاملة، واستكمال التعرف على الضحايا، ومواكبة الأسر، والتحقيق في كل الظروف التي سبقت الفاجعة ورافقتها، مع رفض تحويل الملف إلى مجرد سجال سياسي أو إعلامي.
وتبرز الوثيقة وجود اختلاف بين الأرقام المتداولة بشأن الأزمة، إذ تشير إلى أن وزارة الداخلية المغربية تحدثت عن نحو 40 ألف شخص تجمعوا عند نقاط الانطلاق نحو سبتة، في حين نقلت وكالة رويترز عن وزارة الداخلية الإسبانية تسجيل نحو 50 ألف دخول إلى المدينة المحتلة. وتؤكد الورقة أن الرقمين لا يقيسان الظاهرة نفسها، إذ يتعلق الأول بالأشخاص الموجودين عند نقاط الانطلاق، بينما يرصد الثاني عدد حالات الدخول إلى سبتة، ما يستوجب تجنب الجمع بينهما باعتبارهما مؤشراً واحداً.
كوتلفت إلى وجود تباين في حصيلة الضحايا، حيث أعلنت السلطات المغربية تسجيل 11 وفاة، بينما نسبت رويترز إلى السلطات الإسبانية حصيلة لا تقل عن 72 وفاة، مع استمرار عمليات التحقق من الهويات والأعداد، وهو ما يجعل من الضروري اعتماد مقاربة دقيقة في تداول الأرقام، بعيداً عن المبالغة أو التقليل من حجم المأساة.
وتؤكد الورقة أن الأزمة لم تكن وليدة لحظة عابرة، بل جاءت نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية عاشها جزء من الشباب المغربي خلال السنوات الأخيرة. ورغم أن الاقتصاد الوطني سجل نموا حقيقيا بلغ 4.9 في المائة سنة 2025، فإن هذا النمو، بحسب معدي الدراسة، لم ينعكس بالقدر الكافي على تحسين أوضاع الشباب أو خلق فرص شغل تستجيب للطلب المتزايد.
وتشير المعطيات الواردة في الوثيقة إلى أن الاقتصاد خلق نحو 193 ألف منصب شغل صاف خلال سنة 2025، غير أن هذا الرقم ظل أقل من حجم الطلب السنوي على فرص العمل، خاصة في صفوف الشباب، الذين ما تزال معدلات البطالة وعدم النشاط مرتفعة بينهم.
وتلفت الدراسة إلى أن نسبة المشاركة في سوق الشغل تبقى محدودة، بينما تستمر معدلات البطالة وعدم الاندماج الاقتصادي في مستويات مرتفعة، خصوصاً لدى الفئة العمرية ما بين 15 و24 سنة. كما تسجل وجود نحو 2.94 مليون شاب وشابة خارج التعليم والعمل والتكوين، وهو ما يمثل أكثر من ثلث هذه الفئة العمرية، الأمر الذي يعكس حجم التحديات التي تواجه السياسات العمومية في مجال الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.
وتولي الورقة اهتماما خاصا بعمالة المضيق-الفنيدق باعتبارها إحدى أكثر المناطق ارتباطا بالأحداث، إذ تشير إلى ارتفاع معدلات البطالة محليا مقابل انتشار الرغبة في الهجرة بين الشباب، وهو ما يجعل المنطقة بحاجة إلى برامج تنموية خاصة تستجيب لخصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وفي تحليلها للأسباب المباشرة، تعتبر الوثيقة أن الشائعات الرقمية لعبت دور الشرارة التي دفعت آلاف الشباب إلى التحرك، لكنها ترفض اختزال الأزمة في هذا العامل وحده. فالشائعة، بحسب الدراسة، لم تكن لتنتشر بهذا التأثير لولا وجود استعداد نفسي واجتماعي سابق لدى جزء من الشباب، ناتج عن الإحباط وضعف الثقة في إمكانية تحسين أوضاعهم داخل البلاد.
وتشير الورقة إلى أن رسائل متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي أوحت بإمكانية العبور إلى سبتة ثم الانتقال بسهولة إلى التراب الإسباني، كما جرى توظيف بعض القرارات القضائية والإدارية الإسبانية خارج سياقها القانوني، ما عزز الاعتقاد بإمكانية تسوية الوضعية القانونية بسرعة، وهو ما تبين لاحقاً أنه غير صحيح.
وترى الدراسة أن سرعة انتشار هذه الرسائل كشفت في المقابل عن محدودية التواصل المؤسساتي الوقائي، إذ لم تتمكن الرسائل الرسمية من مجاراة سرعة انتشار الأخبار المضللة، الأمر الذي يفرض، بحسب معدي الورقة، تطوير منظومة اتصال عمومي أكثر سرعة وفاعلية، تعتمد اللغة والمنصات التي يستخدمها الشباب.
ولا تحمل الورقة المسؤولية لطرف واحد، بل تعتبر أن الأزمة تمثل اختبارا للنموذج التنموي برمته، ولسياسات التشغيل والتعليم والتكوين، وللقدرة المؤسساتية على الإنصات للشباب قبل انفجار الأزمات، مؤكدة أن المطلوب ليس البحث عن مذنب بقدر ما هو بناء حلول تمنع تكرار المشهد.
وتقترح الوثيقة مجموعة من الإجراءات العملية، في مقدمتها إعداد حصيلة مشتركة ومحدثة للضحايا والمفقودين، وإنشاء نقطة اتصال موحدة لفائدة الأسر والعائدين، إلى جانب إرساء بروتوكول سريع للتواصل والإنذار المبكر لمواجهة الشائعات الرقمية قبل انتشارها.
كما تدعو إلى إطلاق برامج للتجربة المهنية الأولى لفائدة الشباب، والاعتراف بالمهارات المكتسبة، وربط التكوين المهني بحاجيات سوق الشغل، مع وضع خطة ترابية خاصة بالمضيق والفنيدق وتطوان، تستهدف خلق فرص الشغل وتحسين ظروف السكن والتنقل والخدمات الأساسية.
وتذهب الورقة أبعد من الحلول الظرفية، حين تدعو إلى إبرام عقد وطني يمتد لخمس سنوات، يقوم على أهداف واضحة وقابلة للقياس، مع نشر المؤشرات بشكل دوري، وربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يشعر الشباب بأن فرص النجاح داخل المغرب أصبحت أكثر واقعية من المغامرة بحياتهم في البحر أو عند الأسوار الحدودية.
وتخلص الدراسة إلى أن أزمة سبتة ليست مجرد حادث عابر أو أزمة حدود، وإنما إنذار قوي بوجود فجوة بين النمو الاقتصادي والواقع الاجتماعي، وبين الخطاب الرسمي وانتظارات الشباب. كما تعتبر أن نجاح السياسات العمومية مستقبلا لن يقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرتها على تحويل هذا النمو إلى فرص عمل، وتعزيز الثقة، وإقناع الشباب بأن مستقبلهم يمكن أن يُبنى داخل وطنهم، لا على الضفة الأخرى من البحر.

