بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
في انتظار أن تستكمل جميع عناصر المخطط الخبيث الذي استهدف به المغرب في غمرة الاحتفالات بعيد العرش المجيد، فإن ما رشح من التقارير الاستخباراتية الأجنبية العليمة، وتقاطع العديد من المعطيات والأخبار التي سبقت عملية التهجير السري الجماعي لاقتحام مدينة سبتة، تفيد أن ثمة جهودا وأعمالا تخريبية وعدائية متصاعدة كلما تصاعدت جهود وأوراش البناء والتنمية والتطوير وتحققت نجاحات مبهرة، وهذه الجهود التخريبة تأتي نتائجها على شكل فرقعات إعلامية تستغل الصورة والأخبار المضللة والإشاعات فضلا عن حوادث مؤسفة يتم تضخيمها أو صناعتها وخلقها وتوسيعها للتشويش على مسار التنمية وتشويه سمعة المغرب وعرقلة توجهه المستقبلي وقطع الطريق عليه، ولخلق رأي عام دولي متوجس من الاستثمار في العلاقات مع المغرب.
فقبل وقوع الأحداث المؤلمة بمعبر مدينة سبتة، لاحظ المتتبعون للحرب السيبرانية على المغرب، تحركات مكثفة وسريعة وحملات شرسة وموزعة الأدوار على منصات التواصل الاجتماعي والمجموعات التواصلية المغلقة والعامة تضم مئات الآلاف من المشاركين تقاسمت عناصر مخطط رهيب وفعال لاستغلال أوضاع فئات اجتماعية من الشباب الحالم بالهجرة نحو الفردوس الأوروبي الموهوم لتحسين أوضاعه، واستهداف آلاف آخرين من المرشحين المفترضين للهجرة القادمين من الدول المغاربية ودول إفريقية جنوب الصحراء اتخذوا من المغرب أرض عبور وتربص وانتظار فرص الهجوم على المعابر، وهي الفرص التي وفرتها وأنزلتها بسرعة فائقة هذه الحملة السيبرانية والرقمية المنظمة والممنهجة لصناعة الحدث وخلق مناخ تحريضي لاستعجال الرحيل والهجرة، وأول فرصة كانت هي استغلال واقعة إصدار المحكمة العليا الإسبانية حكما يقضي بمنع الإعادة الفورية للمهاجرين غير الشرعيين الذين يصلون عبر البحر سباحة إلى سبتة ومليلية، الأمر الذي فسر للشباب الحالم بالهجرة ولغيره من المتطلعين إلى الرفاه الأوروبي الموهوم، على أنه إعطاء الضوء الأخضر لهم للمسارعة إلى المعابر عبر البحر للدخول الآمن والناجح إلى سبتة ومنها إلى إسبانيا وأوروبا دون أدنى اعتراض، ثم أطلقت النداءات للتدفق على مدينة الفنيدق ومدن الشمال المغربي وحدد الموعد وزمانه ومكان التجمع والهجوم، وأخرجت خرائط التنقل والاقتحام بكل تفاصيلها الدقيقة، وأعطيت إرشادات عن التجمع وعن أحوال الطقس والبحر، وبيعت الأوهام الأولى مع الدفعة الأولى من وصول فوج من المغامرين إلى مدينة سبتة بدون صعوبة ولا أي مواجهة مع سلطات المدينة، وبدت الإرشادات ومواعيد اللقاء بالمدينة السليبة مغرية بالمغامرة والرحلة. وحينما وقع ما وقع من نجاح للتحريض والتغرير والإغواء والإيقاع بالمستهدفين بالهجرة في الفخ، وما استتبع ذلك من مواجهات وأحداث مؤسفة وفوضى، وتحققت الغاية الأولى منها، انتقلت هذه الحرب السيبرانية الموجهة، إلى الغاية الثانية الأخطر وهي جمع الصور والمشاهد الصادمة عن ما اعتبروه قطيعا من الجوعى والمحرومين والمقهورين وعديمي الكرامة يفرون زرافات ووحدانا حفاة عراة من وطن لم يتكفل بهم، ويلقون بأنفسهم في البحر ومن شاهق الجبال لاحتضان الحلم الأوروبي بالذهب والفضة، وألقيت هذه الصور في وجوه العالم مع التعليقات المصاحبة لها بالتحذير من الشر المغربي الذي يستهدف استقرار وأمن أوروبا وانتهاك حقوق الإنسان. كان كل شيء مرتبا للإساءة لصورة المغرب الشريك الموثوق والجذاب، وتقديمه على أنه بلد الأهوال والجحيم حيث يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه. وبهذا الركوب على ظهور الأبرياء والأغبياء يتم تصفية حسابات مع المغرب، وتنزيل شوط جديد من الحرب المتواصلة على المغرب لتركيعه وثنيه عن السير في اتجاه مشروعه التنموي والديمقراطي والحداثي.
لقد تم ضبط العديد من الحسابات الإلكترونية متمركزة في دول معادية للمغرب، ساهمت في وصول نداءات وإغراءات الهجرة والنزوح، لم يكن همها تقديم خدمة للشباب ومساعدته لوجه الله، بل تضليله وسوقه إلى حتفه واستغلاله للإساءة إلى صورة بلده، وقد اشتغلت هذه الحسابات على قدم وساق للإعداد لهذا اليوم الموعود، وإحداث الكارثة المصنوعة والمستهدفة ثم تسليم صورها الصادمة والمؤلمة إلى وسائل الإعلام العالمية لإدانة المغرب، وها هي هذه الحسابات عن الهجرة التي حرضت على النزوح تغلق صفحاتها، لتسلم المشعل لحسابات أخرى وجديدة بدأت تعبئة جديدة لمظاهرات وإحداث فوضى والبكاء على الضحايا والدعوة للانتقام لهم، فضلا عن فتح جبهات أخرى للإساءة للعلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية بصفة عامة، تولت العديد من وسائل الإعلام في عالمينا العربي والإفريقي مهمة استكمال حلقات العدوان الظالم على المغرب دولة وشعبا وحضارة وسمعة ومصداقية.
إن الصور والمشاهد المؤلمة والصادمة المركبة والمجمعة عن مغرب غير آمن ولا مستقر ولا متضامن ولا موثوق ولا متعاون ولا شيء، ليست صورة المغرب الحقيقية ولا صورة تعكس بالفعل منجزاته الرائدة ولا أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية، فعلى تواضعها وإمكانات تحسينها مع المشاريع التنموية الكبرى القائمة، ليست قطعا بالسوء الذي تم تجميعه في لقطات يوم النزوح الجماعي الموجه والمتحكم فيه، وتضليل الرأي العام به عبر تكثيف وتركيز دلالي على مشهد البؤس الاجتماعي أو على الشجرة الظاهرة التي أخفت غابة من البؤس الحقيقي والحقير لجريمة منظمة ضد مواطنينا البسطاء والأبرياء وضد وطن كل ذنبه أنه يواصل مسار النجاح التحرري والتنموي والديمقراطي، على كثرة الفتن والمحن.
إنها بخلاصة صور لا تشبهنا ولا تشبه طموحاتنا المشروعة والعادلة إلى تحسين أوضاعنا بكرامة وعزة، ولا تمت إلى مغرب اليوم ولا الغد بأية صلة، هي بقايا ماض نجره خلفنا وقطعا سنخلفه وراءنا عما قريب بالعمل المتواصل على مزيد من ضمان العيش الكريم لكل المواطنين، والقضاء على التفاوتات المرصودة في التنمية بين الفئات والجهات التي هي سبب في سير بلادنا بسرعتين غير متناسبتين ولا متكافئتين.

