يواصل الطب تطوير أدوات تشخيص وعلاج سرطان الثدي، بما يسمح باكتشاف عدد متزايد من الحالات في مراحل مبكرة وتحديد العلاج وفق الخصائص البيولوجية لكل ورم. وبمناسبة الشهر الوردي، الذي يشكل محطة للتوعية بسرطان الثدي وأهمية الكشف المبكر.
وفي هذا السياق سيقدم الدكتور مصطفى السويح، أخصائي في جراحة الأورام السرطانية وخبير في الطب التجديدي والعلاجات بالخلايا الجذعية، في حوار خص به “رسالة24″، للحديث عن أبرز المستجدات في التشخيص والعلاج، وموقع العلاجات المناعية والموجهة إلى جانب تطور الجراحة وإعادة بناء الثدي.
كيف تغيرت طريقة التعامل مع سرطان الثدي خلال السنوات الأخيرة؟
شهد التعامل مع سرطان الثدي تطورا كبيرا، إذ لم يعد المرض يصنف اعتمادا على حجم الورم وموقعه فقط، وإنما أصبحت خصائصه البيولوجية والجزيئية عاملا أساسيا في تحديد العلاج. نحدد نوع الورم ودرجة انتشاره، وحالة مستقبلات الهرمونات ومستقبل HER2، إضافة إلى مؤشرات أخرى يمكن أن تساعد في اختيار العلاج المناسب.
وهذا يعني أن سرطان الثدي ليس مرضا واحدا، وإنما توجد أنواع فرعية مختلفة، تختلف في طبيعتها وفي استجابتها للعلاج، لذلك أصبح الاتجاه نحو العلاج الشخصي، أي اختيار العلاج وفقا لخصائص الورم وحالة المريضة.
ما أهمية الكشف المبكر، وما الفحوصات التي يمكن أن تساعد المرأة على اكتشاف المرض؟
الكشف المبكر يظل من أهم العوامل التي تساعد على تحسين نتائج العلاج. وعلى المرأة الانتباه إلى أي تغير جديد في الثدي، مثل ظهور كتلة، أو تغير في الجلد أو الحلمة، أو إفرازات غير طبيعية، واستشارة الطبيب عند ملاحظة أي عرض مقلق.
أما من حيث الفحوصات، فتظل الماموغرافيا من أهم وسائل الكشف، بينما تستخدم الإيكوغرافيا في حالات معينة، خصوصا عند النساء الأصغر سنا أو لاستكمال معطيات التصوير. ولا ينبغي اعتبار الفحص الذاتي بديلا عن الفحوصات الطبية الموصى بها، لأن بعض الأورام لا تكون محسوسة.
ومتى تحتاج المرأة إلى فحوصات أكثر تقدما، مثل الرنين المغناطيسي للثدي؟
الرنين المغناطيسي ليس فحصا روتينيا لجميع النساء، وإنما يستخدم في حالات محددة، خصوصا لدى النساء اللواتي لديهن خطر مرتفع للإصابة، مثل وجود تاريخ عائلي قوي أو بعض الطفرات الجينية، من بينها BRCA1 وBRCA2.
وتحديد الفحص المناسب يرتبط بعمر المرأة وعوامل الخطورة والتاريخ العائلي والمعطيات السريرية. لذلك لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع النساء بل يجب أن يحدد الطبيب برنامج المتابعة والكشف المناسب لكل حالة.
بعد اكتشاف ورم مشبوه، كيف يتم تأكيد التشخيص وتحديد العلاج المناسب؟
التصوير لا يكفي وحده لتأكيد الإصابة بالسرطان، ولذلك يتم في الحالات التي تستدعي ذلك أخذ خزعة من المنطقة المشبوهة وإخضاعها للفحص التشريحي المرضي. وبعد تأكيد التشخيص، يتم تحديد خصائص الورم بما في ذلك مستقبلات الإستروجين والبروجستيرون وحالة HER2، إضافة إلى مؤشرات أخرى مثل Ki-67 عندما تكون لها فائدة في اتخاذ القرار العلاجي.
بعد ذلك يتم تقييم مرحلة المرض ومدى انتشاره، وتناقش الحالة داخل فريق متعدد التخصصات، لتحديد الخطة الأنسب، سواء تعلق الأمر بالجراحة أو العلاج الكيميائي أو الهرموني أو الموجه أو المناعي أو العلاج الإشعاعي.
أين أصبحت العلاجات المناعية والموجهة في علاج سرطان الثدي؟
أصبحت العلاجات الموجهة والمناعية جزءا مهما من ترسانة علاج سرطان الثدي، لكنها لا تستخدم بالطريقة نفسها لدى جميع المريضات. فالعلاج الموجه يرتبط بوجود خصائص محددة في الورم، مثل HER2، بينما يمكن استخدام العلاج المناعي في حالات معينة، خصوصا ضمن بعض أنواع سرطان الثدي ثلاثي السلبية، ووفقا لمرحلة المرض والمؤشرات البيولوجية.
المهم هو أن اختيار هذه العلاجات لا يتم بناء على رغبة المريضة أو على كونها أحدث علاج، وإنما بناء على نتائج الفحوصات وخصائص الورم وقد تستخدم إلى جانب العلاج الكيميائي أو الجراحة أو غيرهما حسب الحالة.
هل ما يزال العلاج الكيميائي ضروريا رغم تطور هذه العلاجات؟
نعم، ما يزال العلاج الكيميائي يحتفظ بمكانته في علاج عدد مهم من حالات سرطان الثدي لكن استخدامه أصبح أكثر انتقائية. وفي بعض الحالات يعطى قبل الجراحة لتقليص الورم وقياس مدى استجابته، وفي حالات أخرى يأتي بعد الجراحة لتقليل خطر عودة المرض.
وفي المقابل، هناك مريضات قد لا يحتجن إلى العلاج الكيميائي، ويمكن أن يكون العلاج الهرموني أو الموجه أو غيره أكثر ملاءمة لخصائص الورم. لذلك لا يمكن وضع بروتوكول واحد لجميع الحالات.
إلى أي حد تطورت جراحة سرطان الثدي، وهل أصبح استئصال الثدي الخيار الأساسي؟
استئصال الثدي ليس الخيار الوحيد، فعندما تسمح طبيعة الورم بذلك يمكن إجراء جراحة محافظة على الثدي، مع استكمال العلاج الإشعاعي في الحالات التي تستدعيه. ويعتمد القرار على حجم الورم وموقعه وعدد البؤر ومدى انتشاره وعوامل أخرى.
كما تطورت جراحة العقد اللمفاوية، وأصبحنا نحرص في الحالات المناسبة على تجنب الاستئصال الواسع غير الضروري بما يساعد على تقليل المضاعفات، ومنها الوذمة اللمفية. وأصبح الجانب التجميلي والترميمي جزءا من التخطيط العلاجي عندما يكون ذلك ممكنا وآمنا من الناحية الأورامية.
ما الرسالة التي توجهونها إلى النساء بمناسبة الشهر الوردي، وما الذي تتوقعونه من مستقبل علاج سرطان الثدي؟
أهم رسالة هي عدم تأجيل الفحص وعدم تجاهل أي تغير غير طبيعي في الثدي. فالكشف في مرحلة مبكرة يمكن أن يغير مسار العلاج بشكل كبير، ولهذا ينبغي لكل امرأة أن تعرف مستوى الخطورة لديها وأن تلتزم ببرنامج الكشف الذي يناسب عمرها ووضعها الصحي.
أما المستقبل، فسيتجه أكثر نحو الطب الشخصي، مع تطور العلاجات الموجهة والمناعية وتحسن تقنيات التصوير والتحليل الجزيئي والجراحة والترميم.

