آخر أخبارمستجداتوطني

خبراء لـ”رسالة 24″: مفاوضات الصحراء تدخل مرحلة البحث في تفاصيل الحل وترتيباته

أثار التقرير السنوي الأخير للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن الصحراء، نقاشا جديدا حول مستقبل المسار السياسي للنزاع، في ظل ما تضمنه من معطيات بشأن استئناف المفاوضات المباشرة بين الأطراف، والانتقال إلى بحث ترتيبات عملية مرتبطة بالحل السياسي والمرحلة الانتقالية.

وفي هذا الصدد اعتبر  مولاي الصديق بابوزيد، رئيس المركز الصحراوي للدراسات الاستراتيجية وحقوق الإنسان، أن التقرير السنوي الجديد للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بشأن الصحراء، والصادر في أكتوبر 2026 تحت رقم (S/2026/781)، يقدم قراءة مغايرة ومحطة مفصلية في تاريخ النزاع، بالنظر إلى أنه يتجاوز، بحسبه، لغة الدبلوماسية التقليدية وإدارة حالة الركود، لينتقل بشكل علني إلى مرحلة مناقشة التفاصيل والترتيبات العملية للحل السياسي.

وأوضح بابوزيد أن الأهمية الاستراتيجية الكبرى لتقرير 2026 تكمن في كشفه الرسمي والعلني عن كواليس المفاوضات المباشرة التي جرت خلال الربع الأول من سنة 2026، برعاية أممية ـ أمريكية مشتركة وبمشاركة الأطراف الأربعة، وهي المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا. معتبرا أن هذه الدينامية تعكس انتقالا من مرحلة “إدارة الجمود” إلى مرحلة “هندسة الحل الانتقالي”.

وفي هذا السياق، توقف المتحدث عند ما وصفه بالمؤشر اللافت المتمثل في مناقشة فكرة إحداث “مجلس انتقالي” يتولى قيادة مرحلة انتقالية محتملة، معتبرا أن توثيق هذه الفكرة في التقرير الأممي يعكس تحولا في طريقة التعاطي مع الملف، إذ لم يعد النقاش مقتصرا على المبادئ العامة، وإنما انتقل إلى آليات تدبير واقع ما بعد الاتفاق الإطاري.

وأضاف أن أجندة المحادثات أصبحت أكثر تفصيلا، ولم تعد تدور فقط حول “شرعية” المقترحات، بل امتدت إلى قضايا معقدة، من قبيل تقاسم الموارد، والترتيبات الأمنية، ونزع السلاح، والنظام الانتخابي للمرحلة المقبلة، وهي عناصر يرى أنها تعكس انتقال النقاش إلى تفاصيل مرتبطة بكيفية إدارة المرحلة التي قد تلي التوصل إلى اتفاق سياسي.

وفي ما يتعلق بمبادرة الحكم الذاتي، اعتبر بابوزيد أن التقرير يبني مقارباته انطلاقا من المكتسبات التي كرسها قرار مجلس الأمن رقم 2797، مشيرا إلى أن الأمين العام يؤكد أن المباحثات المباشرة اتخذت من مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمحادثات.

وأوضح أن التقرير يبرز كذلك تقديم المغرب “نسخة موسعة ومفصلة” من مبادرته خلال جولة واشنطن الاستكشافية، إلى جانب إبداء الرباط مرونة للعمل التوافقي المشترك من أجل صياغة الترتيبات النهائية.

واعتبر أن هذه المعطيات تعزز، من وجهة نظره، موقع المقترح المغربي كخيار مطروح على الطاولة الدولية وقابل للتطبيق، وتدفع النقاش نحو البحث في تفاصيله وترتيباته العملية.

وبخصوص إشكالية تقرير المصير وبناء الثقة، أشار بابوزيد إلى أن التقرير، رغم المؤشرات الإيجابية المرتبطة بعودة الأطراف إلى الجلوس المباشر لأول مرة منذ سبع سنوات، يكشف في الوقت ذاته عن تحديات بنيوية لا تزال تعيق الوصول إلى تسوية نهائية.

وأوضح أن من بين هذه التحديات استمرار التمسك بالمواقف التقليدية، إذ يشير التقرير إلى تقديم جبهة البوليساريو مقترحات تستند إلى رؤيتها المعروفة، القائمة على المطالبة بتقرير المصير المؤدي إلى الانفصال. وفي المقابل، شدد غوتيريش، وفق المتحدث، على أن أي حل يجب أن يمر عبر “عملية تشاور هادفة تؤمن حرية الاختيار الطوعي” بما يضمن استدامته.

ويرى بابوزيد أن هذا الطرح يعكس رغبة الأمم المتحدة في صياغة مخرج قانوني يدمج مفهوم “تقرير المصير” ضمن آلية للتشاور حول “الحكم الذاتي المتوافق عليه”، بدلا من العودة إلى الصيغة التقليدية للاستفتاء التي يرى أن مجلس الأمن تجاوزها عمليا في مقاربته الحالية للملف.

وعلى المستوى الدبلوماسي الإقليمي والدولي، يسجل بابوزيد أن التقرير يعكس، بحسب قراءته، التحولات التي عرفتها مواقف عدد من الدول، والتي ساهمت في تغيير طبيعة النقاش الأممي حول الملف.وفي هذا الإطار، أشار إلى ما وصفه بالتحول في مواقف دول أوروبية، من بينها السويد وسويسرا، التي باتت ترى في الحكم الذاتي أساسا موثوقا،  ناهيك عن خطوات دول مثل مالي وهندوراس وبنما بشأن تعليق أو سحب اعترافها بجبهة البوليساريو.

و توقف عند الدور الأمريكي في المسار، معتبرا أن الرعاية المشتركة لواشنطن إلى جانب المبعوث الشخصي للأمين العام إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، لجولات المفاوضات، تعكس انخراطا أمريكيا في الدفع نحو إنهاء هذا الملف الإقليمي، في إطار رؤيتها للهندسة الأمنية في شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية.

وفي ما يخص دور بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” والوضع الميداني، أشار بابوزيد إلى أن التقرير، رغم إشارته إلى استمرار التوترات والأعمال العسكرية منخفضة الحدة، يثمن دور البعثة باعتبارها آلية لخفض التصعيد وصمام أمان يحول دون الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

واعتبر أن توصية غوتيريش بتمديد مهمة “المينورسو”: لسنة إضافية، إلى غاية أكتوبر 2027، تأتي كخطوة إجرائية لتأمين الغطاء الأمني اللازم ومنح المبعوث الشخصي للأمين العام فرصة زمنية أطول من أجل مواصلة العمل على إنضاج “الاتفاق الإطاري” الجاري التفاوض بشأنه.

وخلص رئيس المركز الصحراوي للدراسات الاستراتيجية وحقوق الإنسان إلى أن تقرير غوتيريش لعام 2026 يمثل، في قراءته، نهاية مرحلة “الستاتيكو: أو الجمود القائم، وبداية مرحلة جديدة تقوم على الهندسة الفعلية للحل السياسي.

وقال إن الملف دخل ما وصفه بـ”مرحلة الشياطين الكامنة في التفاصيل”، في إشارة إلى القضايا المرتبطة بتقاسم الموارد، والأمن، وهيكلة المجلس الانتقالي، وغيرها من الترتيبات العملية التي قد تحدد شكل المرحلة المقبلة.

وأضاف أن الزخم الدولي، وفق قراءته لمضامين التقرير، يسير في اتجاه متزايد نحو تبني الطرح المغربي، غير أن التحدي الأكبر يتمثل في مدى قدرة الضغوط الدولية، خصوصا الأمريكية والأممية، على دفع جبهة البوليساريو والجزائر إلى الانتقال من التمسك بالمواقف والشعارات التقليدية إلى الانخراط في التفاوض بشأن بنود الحكم الذاتي والمرحلة الانتقالية.

وبذلك، يرى بابوزيد أن أهمية تقرير غوتيريش لا تكمن فقط في كونه يوثق عودة المفاوضات المباشرة، وإنما في كونه يكشف انتقال النقاش من مستوى المواقف العامة إلى مستوى هندسة الترتيبات العملية للحل، بما يجعل قضايا المجلس الانتقالي، وتقاسم الموارد، والأمن، ونزع السلاح، والانتخابات، وبناء الثقة، في صلب المرحلة المقبلة من المسار السياسي.

وقال محمد سالم عبد الفتاح، رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، إن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الصحراء يعكس تحولا مهما في طبيعة إدارة هذا الملف، ليس فقط بسبب استئناف المفاوضات المباشرة بين المغرب وجبهة البوليساريو، بمشاركة الجزائر وموريتانيا، وإنما أساسا بسبب التغير الذي طرأ على مركز ثقل العملية السياسية.

وأوضح عبد الفتاح أن المبادرة المغربية للحكم الذاتي باتت تشكل “الأساس الفعلي للمناقشات الجارية”، في انسجام مع الإطار الذي أرساه قرار مجلس الأمن 2797، وهو ما يمنحها، بحسبه، موقعا تفاوضيا أكثر تقدما مقارنة بالمراحل السابقة.

وأبرز أن أهمية هذا التحول تتضح أكثر من خلال كون المغرب لم يكتف بتكرار مبادئ مبادرة الحكم الذاتي، بل تقدم بمشروع “نظام أساسي للحكم الذاتي” باعتباره وثيقة لتأطير التفاوض، معتبرا أن النقاش انتقل بذلك من مستوى المواقف والمبادئ العامة إلى مستوى بناء نموذج قابل للتفصيل والتفاوض بشأن مؤسساته وترتيباته وآليات تطبيقه.

وأضاف أن “المكسب المغربي لا يكمن فقط في بقاء الحكم الذاتي على طاولة المفاوضات، وإنما في تحوله إلى مادة عملية يجري الاشتغال عليها داخل المسار الأممي نفسه”. وفي المقابل، يضيف المتحدث، لا يقدم التقرير طرح البوليساريو باعتباره مرجعية موازية تحظى بالموقع نفسه داخل هندسة التفاوض، إذ يسجل أن الجبهة طرحت تصورا يواصل الارتباط بالاستفتاء والضمانات اللاحقة له

ويرى عبد الفتاح أن طرح الانفصال “لم يعد يحدد نقطة الانطلاق للتفاوض في بنية المسار الحالي”، بحيث بات الحوار بين الأطراف يتأطر ضمن مرجعية المقترح المغربي باعتباره أساسا للتفاوض.

واعتبر أن التحول الحقيقي يكمن في فشل خصوم المملكة في فرض مقترحاتهم كمرجعية للعملية التفاوضية أو في مضاهاة موقع المقترح المغربي، بما جعل العملية التفاوضية تتركز حول كيفية بناء حل سياسي يقوم على الحكم الذاتي وترتيبات ممارسته، من خلال تسوية سياسية قابلة للتطبيق.

وتكتسب، وفق رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان، فكرة المرحلة الانتقالية أهمية خاصة، باعتبارها الحلقة التي يمكن أن تربط بين الاتفاق السياسي المفترض وبين إقامة نموذج الحكم الذاتي في صورته العملية.

وأشار إلى أن التقرير لا يتحدث فقط عن مبادئ عامة، وإنما يورد أن المشاركين ناقشوا إمكانية إنشاء مجلس انتقالي، ودور الأطراف الدولية، إلى جانب إجراءات وضمانات التنفيذ وتقاسم الموارد، بالإضافة إلى ترتيبات العفو والمصالحة، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، والترتيبات الأمنية، وكذلك الأنظمة الانتخابية.

و لفت إلى أن التقرير يشير إلى تنسيق أممي ـ أمريكي بشأن إعداد اتفاق إطار لمرحلة انتقالية، ثم إلى إعداد صيغة منقحة لهذا الإطار. بيد أن هذه العناصر ما تزال قيد التفاوض، فإن مجرد انتقال النقاش إليها، بحسب عبد الفتاح، يكشف أن الأطراف الدولية أصبحت تبحث في كيفية “تنفيذ التسوية”، وليس فقط في “مبدأ التسوية”.

وأوضح أن القضايا التي أدرجت ضمن هذا المسار، من قبيل المؤسسات الانتقالية والأمن ونزع السلاح والمصالحة وإعادة الإدماج والانتخابات، هي في جوهرها قضايا ترتبط بإنهاء آثار النزاع المسلح وبناء ترتيبات مؤسساتية مستقرة بعده، بما يضمن تسوية نهائية للنزاع.

وبالتالي، فإن قيمتها تكمن في أنها يمكن أن تجعل الحكم الذاتي موضوعا للتنزيل التدريجي، عبر الانتقال من الوضع التفاوضي الحالي إلى نموذج مؤسساتي واضح، بدل إبقاء النزاع في دائرة التنازع المفتوح حول صيغ نظرية للحل.

ويرى المتحدث أن هذا التطور يمكن أن يحمل مكسبا إضافيا للمملكة، خاصة إذا استقر التفاوض مستقبلا على أساس أن المرحلة الانتقالية ليست مقدمة لإعادة التفاوض حول السيادة، وإنما إطارا لتنفيذ نموذج الحكم الذاتي المتفق عليه.

وأضاف أن دخول النقاش في تفاصيل المؤسسات المحلية، وآليات الانتخابات، وتقاسم الاختصاصات والموارد، وضمانات الأمن، وإعادة إدماج العناصر المسلحة، من شأنه أن يقلص مساحة التعامل مع النزاع بوصفه سؤالا مفتوحا بين الاندماج والانفصال، ويجعله أقرب إلى قضية تتعلق بكيفية تنظيم ممارسة الحكم المحلي داخل تسوية سياسية نهائية تكرس سيادة المملكة على أقاليمها الجنوبية.

وفي السياق ذاته، اعتبر عبد الفتاح أن ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج والمصالحة والعفو تشير إلى معالجة موضوع ميليشيا البوليساريو في مرحلة ما بعد التسوية باعتباره كيانا مسلحا ينبغي تفكيك بنيته العسكرية والسياسية تدريجيا، ثم إدماج أفراده ومكوناته في ترتيبات مؤسساتية جديدة.

وأضاف أن هذا المسار يفتح، من الناحية السياسية، الباب أمام الانتقال من منطق التنظيم المسلح الذي يحافظ على النزاع إلى منطق الفاعل السياسي الذي يمارس أدوارا داخل مؤسسات تسوية ما بعد النزاع.

وبالنسبة للمملكة، فإن هذا التحول قد يشكل، بحسبه، أحد أهم المداخل لتمرير حالة الحسم السياسي وإنهاء أي إمكانية لاستمرار النزاع المسلح، من خلال إدماج مكونات الميليشيات الانفصالية في بنية سياسية ومؤسساتية جديدة. ناهيك عن أن البحث في ضمانات دولية قوية وآليات لتنفيذها يضيف، وفق عبد الفتاح، بعدا مهما إلى المقترح المغربي، لأن الحكم الذاتي بات يناقش باعتباره تسوية تحتاج إلى ترتيبات واضحة للثقة والتنفيذ والرقابة والالتزام.

وأوضح أن التقرير يظهر أن أي انتقال نحو “حكم ذاتي حقيقي” يرتبط في التصور المطروح بضمانات وباستشارة السكان، وهو ما يجعل نجاح المغرب في التفاوض حول طبيعة هذه الضمانات وآلياتها عاملا حاسما في تحويل الحكم الذاتي من إطار سياسي إلى نموذج مؤسساتي قابل للاستمرار.

وفي الوقت نفسه، شدد رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان على أن المحافظة على مبدأ تقرير المصير داخل التقرير لا ينبغي أن تقرأ بالضرورة باعتبارها عودة إلى الصيغة القديمة التي تجعل الاستفتاء أو الانفصال مركز العملية السياسية.

وأوضح أن التقرير يدعو إلى استكشاف إمكانية “حكم ذاتي حقيقي” يمكن أن يمثل “النتيجة الأكثر قابلية للتنفيذ”، مع إبقاء التشاور الحر والمستقل مع السكان والضمانات الدولية ضمن الإطار المقترح.

واعتبر أن هذه النقلة هي الأهم سياسيا، لأنها تفتح الباب أمام إعادة تعريف كيفية ممارسة تقرير المصير، بعدما كان الخطاب الانفصالي يربطه حصرا بخيار الاستقلال، في اتجاه عملية سياسية قد تفضي إلى صيغة حكم ذاتي ضمن تسوية متوافق عليها.

وتزداد أهمية هذا الجانب، بحسب عبد الفتاح، مع المبادرة المتعلقة بتمكين أفراد من مخيمات تندوف من القيام بزيارات فردية وطوعية إلى العيون والداخلة للاطلاع على الواقع وآفاق الحكم الذاتي.

وأوضح أن هذه المبادرة يمكن أن تساهم في نقل النقاش من التمثيل السياسي المفترض للسكان إلى تمكين قاطني مخيمات تندوف من الاطلاع المباشر على الخيارات المطروحة.

وأشار إلى أنه إذا تطورت هذه الآلية، فقد تصبح إحدى أدوات بناء الثقة وإعادة تشكيل التصورات بشأن مستقبل السكان ومصيرهم، خصوصا أن التقرير لا يقدم الزيارات باعتبارها استفتاءً سياسيا، وإنما باعتبارها وسيلة للاطلاع وتكوين الاختيار.

أما على مستوى مسار المفاوضات، فيرى عبد الفتاح أن أهم ما يكشفه التقرير هو أن المعادلة باتت تقوم على هندسة متدرجة للتسوية، من خلال أساس تفاوضي يتمثل في المبادرة المغربية للحكم الذاتي، ثم إمكانية صياغة اتفاق إطار وترتيبات انتقالية محتملة، إلى جانب تطوير نموذج أكثر تفصيلا للحكم الذاتي والتشاور بشأنه، بالتوازي مع ضمانات دولية وترتيبات أمنية ومؤسساتية.

وأكد أن هذه الترتيبات تكشف الاتجاه الذي يمكن أن تتطور نحوه المفاوضات إذا نجحت في تجاوز الخلافات الحالية. وبالتالي، فإن المملكة باتت تدخل المفاوضات ومعها مشروع مؤسساتي متكامل للحكم الذاتي، بينما تتم مناقشة المرحلة الانتقالية والترتيبات الأمنية والمؤسساتية على أساس الوصول إلى تسوية سياسية قابلة للتطبيق.

وأضاف أن ذلك “يرفع من القيمة العملية للمبادرة المغربية ويجعل النقاش المقبل أقرب إلى التفاوض حول التفاصيل وشروط التنفيذ، وليس فقط الاقتصار على إعادة إنتاج الخلاف حول تصورات ومقترحات متعارضة للحل السياسي”.

وتتقاطع هذه الدينامية، وفق عبد الفتاح، مع النقاش حول مستقبل بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو”، إذ كان القرار 2797 قد طلب مراجعة استراتيجية لمستقبل البعثة مع أخذ نتائج المفاوضات بعين الاعتبار، بينما يؤكد التقرير الحالي أن مستقبل المهمة مرتبط بتطور العملية السياسية، ويوصي بتمديد ولايتها إلى 31 أكتوبر 2027 مع مراعاة مستجدات المسار السياسي. وهذا ما يعني أن الأمم المتحدة لا تتعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها مجرد استمرار للنمط السابق من إدارة النزاع، وإنما تربط تدريجيا وظيفة البعثة بالإطار السياسي الذي يمكن أن تنتجه المفاوضات.

وخلص رئيس المرصد الصحراوي للإعلام وحقوق الإنسان إلى أن المرحلة الانتقالية المطروحة في التقرير ستشكل “الجسر السياسي والمؤسساتي بين المفاوضات وبين إقامة الحكم الذاتي”، مشددا على أن نجاح المملكة في المرحلة المقبلة لن يقتصر على قدرتها على الحفاظ على المبادرة كمرجعية للتفاوض، وهو ما تحقق بالفعل، وإنما سيمتد إلى قدرتها على التأثير في تفاصيل هذا الإطار الانتقالي، خاصة ما يتعلق بطبيعة المؤسسات، ومدة المرحلة، وآليات الضمان، وترتيبات الأمن ونزع السلاح، ومسار المصالحة وإعادة الإدماج، وشروط الانتقال إلى المؤسسات المنتخبة.

وأضاف أنه إذا نجحت المملكة في تثبيت هذه العناصر ضمن تصور يجعل المرحلة الانتقالية مقدمة لتنزيل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، فإن النزاع سيدخل فعليا مرحلة جديدة، يصبح فيها التحدي الأساسي هو تنفيذ التسوية، بالموازاة مع تجاوز حالة النزاع على مستوى التصنيف الأممي.

وختم عبد الفتاح بالقول إن تقرير غوتيريش يعكس “تحولا نوعيا في قواعد التفاوض”، بحيث يؤكد أن مبادرة الحكم الذاتي أصبحت الأساس الفعلي للنقاش، في حين يتم تجاوز الطرح الانفصالي، وتبرز المرحلة الانتقالية باعتبارها تمهد لتحويل الحل السياسي إلى بنية مؤسساتية قابلة للتنفيذ.

واعتبر أن ذلك يمنح المملكة موقعا تفاوضيا أكثر قوة، باعتبار أن المعركة الدبلوماسية باتت تتركز حول صياغة شروط تنزيل الحكم الذاتي، وهي، في تقديره، المرحلة التي ستحدد إلى حد كبير طبيعة التسوية المقبلة ومآل الملف برمته.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock