يواجه التحالف الحكومي المرتقب بالمغرب، الذي يضم أربعة أحزاب سياسية، تحديات ترتبط بمدى قدرته على ضمان الانسجام السياسي والتماسك العددي رغم تباين المرجعيات الإيديولوجية لمكوناته.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات بشأن قدرة الأغلبية الجديدة على تدبير الخلافات الداخلية وتوحيد أولوياتها حول برنامج حكومي مشترك.
وفي هذا السياق، اعتبرت صفاء عدوي محللة السياسية متخصصة في الشأن الانتخابي والمؤسساتي بالمغرب ، أن التحالف الحكومي الذي يجمع أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية يواجه مجموعة من التحديات المرتبطة بوزنه العددي وتباين مرجعيات مكوناته، مؤكدة أن نجاحه في تدبير المرحلة المقبلة يظل رهينا بقدرته على تحقيق الانسجام السياسي والبرامجي وتحويل التوافقات المعلنة إلى ممارسة حكومية فعلية تستجيب لانتظارات المغاربة.
وأوضحت عدوي، في تصريح لـ”رسالة 24″، أن أولى الملاحظات التي تطرحها قراءة هذا التحالف تتعلق بوزنه العددي، الذي وصفته بالهش، مشيرة إلى أن الأغلبية لا تتوفر، وفق المعطيات التي تناولها التصريح، إلا على هامش محدود من المقاعد البرلمانية.
ولفتت المتحدثة إلى أن المساندة النقدية التي أعلن عنها الاتحاد الدستوري، المتوفر على 17 مقعدا، من شأنها أن تشكل دعما إضافيا للحكومة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انخراطه ضمن مكوناتها.
وسجلت المحللة السياسية، في السياق ذاته، وجود تفاوت في الوزن الانتخابي بين مكونات الأغلبية، مستحضرة وضعية الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يتوفر على 26 مقعدا، وحزب التقدم والاشتراكية، الحاصل على 19 مقعدا.
واعتبرت أن وجود أحزاب ذات تمثيلية محدودة داخل التحالفات الحكومية يظل من السمات التي طبعت التجربة الحزبية المغربية منذ اعتماد نظام التمثيل النسبي، معتبرة أن هذه الوضعية تطرح نقاشا بشأن مدى انعكاس الاختيارات الانتخابية على تركيبة الحكومة، خاصة عندما تتمكن أحزاب أقل تمثيلية من المشاركة في تدبير الشأن العام، في مقابل وجود قوى معارضة تتوفر على تمثيلية برلمانية مهمة.
وعلى مستوى الانسجام الإيديولوجي، أوضحت عدوي أن مرجعيات الأحزاب المشكلة للتحالف لا تتطابق بالضرورة، إذ يقدم حزب الأصالة والمعاصرة نفسه باعتباره حزبا ذا توجه حداثي ووسطي، فيما يستند حزب الاستقلال إلى مرجعية وطنية وتعادلية، بينما يتبنى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية توجها اشتراكيا ديمقراطيا، ويعبر التقدم والاشتراكية عن مرجعية يسارية اشتراكية.
وترى المتحدثة أن التقارب الإيديولوجي يبدو أكبر بين الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، في حين تظل هناك تباينات في المرجعيات مع باقي مكونات التحالف، ولا سيما الأصالة والمعاصرة والاستقلال.
وفي هذا الإطار، أشارت عدوي إلى أن تقارب الأصالة والمعاصرة مع أحزاب الكتلة الديمقراطية سابقا يمكن قراءته، من وجهة نظرها، باعتباره سعيا إلى تعزيز الشرعية الإيديولوجية والسياسية، في ظل اختلاف المرجعيات الحزبية.
وأضافت عدوي أن الانسجام الذي تعلنه مكونات التحالف يظل، في المرحلة الحالية، توافقا سياسيا وبرامجيا، على أن يتوقف مدى تحوله إلى تجانس فعلي على مضامين البرنامج الحكومي الذي ستعرضه رئيسة الحكومة أمام مجلس النواب.
وشددت المحللة السياسية على أن مجرد إعلان الأحزاب المشكلة للأغلبية عن انسجامها لا يكفي لضمان تماسكها، بل يتعين أن ينعكس ذلك على الممارسة الحكومية اليومية وعلى القدرة على تنفيذ الالتزامات المتفق عليها. مبرزة أن تعدد مكونات التحالف يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي يتعلق بتنزيل البرنامج الحكومي، الذي سيشكل التصويت عليه داخل البرلمان محطة أساسية لتقييم مدى تماسك الأغلبية وقدرتها على الالتزام بتعهداتها.
و ربطت عدوي نجاح التحالف بقدرة رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، على تدبير الاختلافات بين مكوناته وتسوية الخلافات المحتملة، استنادا إلى التوافقات التي سيحددها ميثاق الأغلبية.
وأكدت أن هذا الميثاق يكتسي أهمية خاصة في الحكومات الائتلافية متعددة الأحزاب، باعتباره إطارا لتنظيم العلاقات بين مكوناتها وضبط آليات التنسيق وتدبير التباينات، بما يضمن استمرارية العمل الحكومي.
وخلصت عدوي إلى أن الرهان الأساسي أمام التحالف الحكومي لا يقتصر على ضمان الانسجام المعلن بين أحزابه، بل يتجاوز ذلك إلى بناء توافق عملي حول الأولويات الإصلاحية، وترجمة البرنامج الحكومي إلى إجراءات ملموسة، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويستجيب لانتظارات المواطنين. ويبقى مدى نجاح هذه التجربة مرتبطا بقدرة مكوناتها على تجاوز اختلافاتها الإيديولوجية والسياسية، وتغليب الالتزامات المشتركة على الحسابات الحزبية الضيقة.
