بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس –
لم تجد العصابة الحاكمة في الجزائر والجاثمة على أنفاس شعبها، في مواجهة سيل الاعترافات بمغربية الصحراء، والسقوط الحر لداعمي الأطروحة الانفصالية في المنطقة، إلا إعادة تدوير ما تبقى في سلتها من فتات الدول والكيانات وتقديم أخبار قديمة عنها، يعاد تسخينها وتجديد عهدها وذكراها على مدار الساعة مفاده تأكيد هذا النزر القليل من بقايا الدول والكيانات المتجمدة الموروثة عن الحرب الباردة، استمرار صمودها وتمسكها الأبدي بالوهم الانفصالي، وعلى هذا الأساس أعادت العصابة ودميتها الانفصالية استدعاء موزمبيق لعشرات المرات، تارة للتعبير عن موقف هذه الدولة الثابت والداعم للانفصال، وتارة باستقبال متكرر لسفير أو وزير أو غفير من هذه الدولة، للاحتفال بأعياد الانفصال داخل الزنزانة الكبيرة المسماة بالجزائر، أو لتجديد الولاء والبراء في ملف نزاع الصحراء، وتارة بإعلان إعادة افتتاح سفارة أو قنصلية وتنصيب سفير وتسليم أوراق اعتماد وتبادل التهاني وبطاقات المعايدة والمجاملة، في عالم من خرائط وهمية لا يملك فيها الكيان الانفصالي موطئ قدم، اللهم إلا ما تقتطعه الجزائر مما تسميه ترابها الوطني لبناء مؤسسات هذه الدولة الوهمية من وزارات وسفارات وقنصليات ومدن /خيام موازية في العالم الآخر تتسمى باسم مدن العيون والداخلة وبوجدور العامرة في أقاليمنا الجنوبية، وكل هذا التكرار والاجترار البئيس لموضوع الصمود الموزمبيقي، يقابله هذا العدد المتواصل من سحب الاعترافات بالكيان الانفصالي، ودعم الوحدة الترابية للمملكة، ومن تصحيح خطأ ارتكب في ظروف غامضة وملتبسة ضد الوحدة الإفريقية قبل أن يكون ضد الوحدة الترابية المغربية.
لن نقدر على أن نوفي الحق لكل الدول الإفريقية التي اعترفت حديثا بمغربية الصحراء أو التي جددت اعترافها القديم، أو التي خرجت من حيادها الإيجابي أو السلبي ومن المنطقة الرمادية، للانضمام إلى قافلة الدول الإفريقية الداعمة لحل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وسنكتفي منها بدولة مالي التي سحبت اعترافها بجمهورية الوهم، وألقت يوم الجمعة الفارط من على ظهرها حملا ثقيلا ظل لأزيد من 42 سنة يمتص دماءها ويستنزف علاقاتها في المنطقة ويؤثر سلبا على مسار تاريخي طويل ومتجذر من التعاون الاقتصادي والتجاري والتبادل الثقافي والروحي مع المملكة المغربية، رغم الحرص المغربي الشديد على تخصيص معاملة تفضيلية لدولة مالي بالنظر لروابط الأخوة العريقة التي تجمع البلدين والشعبين، وبالنظر للتراث التاريخي المشترك الذي يتقاسمانه. ولهذا نفهم القوة التي نزل بها الموقف المالي في تصحيح الخطأ، وسد الباب على أي ضغط أو تغيير محتمل في الموقف، بتأكيد قيام الموقف الحاسم والنهائي لمالي من نزاع الصحراء والقاضي بدعم الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، على التحليل العميق، والارتياح لنتيجته، المفضية إلى استئناف مسيرة تاريخية عريقة بين البلدين والشعبين، تعثرت وكبت، لكنها لم تنقطع ولم تخن ماضيها الحضاري والمشرق. لا شيء كان يربط تجاريا وبشريا وروحيا وثقافيا وحضاريا بين مالي والعصابة الجزائرية ودميتها الانفصالية، بمثل الروابط المتينة بين المغرب ومالي، والتي حاول الاستعمار بتقطيعه الجغرافي لخرائط المنطقة أن يجتثها ويقطع أوصالها، ويدمر طرق المواصلات والاتصال القديمة ويحولها إلى بؤر توتر وسدود وحدود مغلقة وعقبات.
نفهم كذلك من الاستقبال الحار للموقف المالي الأخوي، ليس فحسب في المغرب، وإنما أيضا في الأوساط الشعبية والرسمية والنخب الثقافية المالية والجالية المالية في المغرب، لماذا كان هذا الارتياح غامرا بعودة الوعي الذي أيقظ من جديد كل الذكريات الجميلة عن التواصل المغربي المالي عبر التاريخ وعن علاقات قوية وعميقة صاغها تاريخ مشترك من الامتزاج الحضاري والتبادل الروحي والثقافي الذي ما فتئ المغرب ينحاز إليه، وينتظر من الفاعل السياسي والديبلوماسي المالي أن يقدره حق قدره وأن ينحاز فيه بدوره إلى المصالح المشتركة بين الشعبين والبلدين، والتي لا يمكن لكيان وهمي أن يوقف مدها.
وها هي مالي تقوم بما يفرضه عليها هذا التاريخ المشترك والمصالح المشتركة من رفع درجة الشراكة والتعاون إلى مستوى تطلعات الشعبين والبلدين، ولن نجد مستقبلا بعد إعلان الخارجية المالية باسم الدولة المالية، أنها لن تكتفي فقط بالتعبير عن موقفها الإيجابي من مغربية الصحراء، وإنما ستقوم بتقاسم هذا الموقف مع سائر المنظمات الإقليمية والدولية ومع السلك الديبلوماسي المعتمد في باماكو، كموقف راسخ ونهائي وواضح، وكأساس لتوطيد دعائم الأمن الإقليمي والسلام في منطقة أنهكتها وتنهكها نزعات الانفصال ونزغات الإرهاب.
حسنا فعلت دولة مالي الشقيقة بتثمين جهود الشعبين والبلدين للارتقاء بتاريخهما المشترك وشراكتهما الاستراتيجية التي وطدتها الزيارات الملكية لاسيما الزيارة التاريخية عام 2014، وأرستها اتفاقيات التعاون والتبادل والاستثمار واتفاقات في مجال التجارة والأمن والتعليم (المنح الدراسية لمئات الطلبة الماليين في الجامعات المغربية) والإرشاد الديني (تكوين الأئمة والمرشدين والمرشدات)، وتسليم عدد من المخطوطات المالية في المغرب لأعلام ماليين بارزين عاشوا بين البلدين في قرون خلت، وكانوا من رموز التواصل الحضاري والروحي بين الشعبين.
ففرق كبير بين موزمبيق العصابة الحاكمة في الجزائر التي تظهر فقط كقطعة غيار في الآلة العدوانية والحربية الجزائرية على المغرب، وتخرجها العصابة بين الفينة والأخرى لإقحامها في بروباغندا دعم الانفصال وتشجيع الاقتتال، وبين دولة مالي الشاهد الحي في منطقة الساحل وشمال الصحراء على تاريخ عريق ومتجذر بين الشعبين المغربي والمالي، والشاهد أيضا على ما اجترحه الاستعمار من بغضاء وانقسام ونهب للثروات وتدمير للتراث، وما يجري فيها اليوم من مؤامرات لتعطيل الوحدة بين الشعوب، ودس الكيانات الإرهابية والانفصالية بينها.
فهنيئا لشعبينا وبلدينا على هذا النضج التاريخي والحضاري الذي أوصل مسيرتهما المشتركة إلى بر الأمان لكتابة تاريخ جديد من ذهب في غرب إفريقيا، مثلما كتب المغاربة والماليون ذات قرون خلت تاريخا وضاء من التعاون والتواصل والتلاحم والتمازج والاصطفاف إلى جانب الحق الأبلج.

