رشيد عبود :
تشهد مناطق عديدة بطنجة، أزمة خانقة، وتدهورا لافتا في مرفق النظافة، نتيجة تراكم الأزبال بالتزامن مع انطلاق الحملة الانتخابية، وقد دخلت هذه الأزمة منعطفا خطيرا، بعد تداول اتهامات لجهات مجهولة بالتحريض المتعمد لترك النفايات في الشوارع، بهدف استغلال ملف النظافة كورقة ضغط سياسي في الانتخابات.
من جهته، أكد بلاغ للمكتب النقابي لاحدى الشركات المكلفة بتدبير قطاع النظافة وجمع النفايات بعدد من مناطق طنجة، أنه وعلى إثر ما تعرفه بعض أحياء المدينة من تراكم للأزبال، وما رافق ذلك من بعض الأصوات التي تحاول الإشارة إلى المكتب النقابي وتحميله مسؤولية هذا الوضع، (أكد)، أن المكتب النقابي لا علاقة له بأي تخفيض لوتيرة العمل، أو أي تماطل أو تقصير في أداء المهام المهنية، كما لم يصدر عنه أي توجيه للعمال في هذا الاتجاه.
وأوضح البلاغ الذي توصل موقع “رسالة24” بنسخة منه اليوم الأحد، أنه في الوقت الذي يواصل العمال التزامهم التام بأداء الواجب المهني وخدمة المدينة بكل جدية ومسؤولية، فإن هذا الالتزام لا يعني بأي شكل من الأشكال أن يخرج العامل للعمل باستعمال آليات أو معدات غير صالحة للعمل، أو تفتقر إلى شروط الصحة والسلامة، خاصة عندما يكون استعمالها من شأنه أن يعرض العامل أو المواطنين للخطر، أو قد يؤدي إلى حوادث وكوارث يتحمل العامل تبعاتها ومسؤوليتها.
وشدد البلاغ، على أن العامل، مستعد دائما للقيام بواجبه وأداء عمله، وذلك متى توفرت له آليات ومعدات صالحة وجاهزة للعمل، وتحترم شروط الصحة والسلامة المهنية، وبالتالي – يقول البلاغ – فإن الدفاع عن حقوق العمال لا يتعارض مع أداء الواجب المهني وخدمة المدينة، كما أن المطالبة بتوفير ظروف وآليات عمل سليمة وآمنة، ليست تهربا من المسؤولية، وإنما هي جزء أساسي من حماية العامل وضمان استمرارية العمل في ظروف سليمة، فكما العمال ملتزمون بخدمة المدينة وساكنتها، تبقى سلامة العامل أيضا خط أحمر، إذ لا يمكن أن تكون الآليات غير الصالحة أو غير الآمنة سببا في تعريضه للخطر، مع التمسك بضرورة تحسين ظروف العمل، وصرف الزيادات المتفق عليها بعيدا عن المزايدات السياسية والصراعات الانتخابية، يضيف البلاغ دائما.
هذا، وتشهد مدينة طنجة موازاة مع الانشغال بالحملات الانتخابية، أزمة متصاعدة في قطاع النظافة بعد تراكم النفايات المنزلية لأيام بعدد من الشوارع والأحياء، خاصة الهامشية منها، مما أدى في ظل ارتفاع درجات الحرارة، إلى انتشار الروائح الكريهة والحشرات الضارة بالصحة، وسط استياء عارم بين صفوف ساكنة المدينة وزوارها الذين طالبوا بتعزيز دور المراقبة والتتبع لهذا القطاع الهام الذي يكلف تدبيره المفوض أزيد من 380 مليون درهم سنويا (وقد ترتفع الكلفة الاجمالية إلى حوالي 43 مليار سنتيم عند احتساب النقل والطمر)، والمدينة تغرق في النفايات، بحيث أعادت هذه الأزمة، إبراز تقارير سابقة سجلت عدم تنفيذ عدد كبير من التوصيات المرتبطة بالتدبير المفوض وتجويد خدمات النظافة وتكريس حكامة تدبير المرفق، وسط حديث عن محاولات خفية لجر القطاع إلى قلب الصراعات السياسية والانتخابوية الجارية.
وكانت مصالح وزارة الداخلية، قد راسلت جماعة طنجة، منتصف شهر يوليوز الماضي، بخصوص أزمة تدبير ملف النظافة بالمدينة، في ظل الشكاوى المتزايدة من ضعف جودة الخدمات، وتفاقم أزمة النفايات بعدد من الأحياء والشوارع الرئيسية والساحات والفضائات العامة.
ورصدت تقارير الوزارة الميدانية، وضعا بيئيا مزريا، في وقت يعيش فيه سكان المدينة واقعا صعبا، بسبب تدهور جودة الخدمات، وتراكم النفايات والأزبال وانتشار الروائح الكريهة، خصوصا في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية، حيث لم تفلح الشركات المفوض لها بتدبير القطاع في الوفاء بالتزاماتها التعاقدية وفق ما يؤكده عدد من المتتبعين دائما، الأمر الذي دفع برئيس الجماعة إلى مطالبة المسؤولين عن القطاع بتقديم حصيلة هذا الوضع، في أفق رفع تقرير مفصل لمصالح وزارة الداخلية المعنية.
إلى ذلك، ومباشرة بعد تلقيها رسالة “توبيخ” من وزارة الداخلية سارعت المصالح الجماعية المكلفة بالتدبير المفوض لقطاع النظافة بطنجة، إلى عقد اجتماع عمل تنفيذي طارئ لها، الجمعة، 17 يوليوز الماضي، خصص للانتقال إلى المرحلة الإجرائية الميدانية وتفعيل آليات المراقبة والتتبع لتدبير قطاع النظافة خلال الذروة الصيفية، بحضور ممثلي الشركات المفوض إليها تدبير هذا المرفق الحيوي الهام.
ويندرج هذا اللقاء الثاني من نوعه، في سياق تفعيل الأجرأة الميدانية الفورية للقرارات والتوجيهات المنبثقة عن الاجتماع التنسيقي الاستباقي المنعقد بتاريخ 10 يوليوز الماضي أيضا، حيث ركزت الأشغال على تدقيق خطط العمل الموضوعة سلفا وتحويلها إلى تدابير ملموسة على أرض الواقع تتلاءم مع التطورات المسجلة.
وفي هذا الصدد، انصبت النقاشات على التفعيل الآني لآلية التتبع الميداني اللحظي عبر تقارير لجان التفتيش، والبدء الفوري في رصد مدى التزام الشركات بالتدبير المنتظم والشامل لضمان عدم تراكم النفايات، مع إقرار تطبيق الجزاءات التعاقدية الصارمة في حق أي تقصير مثبت دون تساهل.
كما شملت الإجراءات التنفيذية كذلك، إعادة انتشار الوسائل اللوجستية وتدقيق مسارات شاحنات الجمع وتوزيع الحاويات الإضافية، لاسيما بالمحاور الكبرى ومداخل المدينة والمناطق السياحية والأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
وفي سياق متصل، كشف المجلس الجهوي للحسابات عن استمرار عدد من الاختلالات المرتبطة بتدبير قطاع النظافة بمدينة طنجة، وذلك في إطار تتبعه لمدى تنفيذ التوصيات التي سبق أن وجهها بشأن التدبير المفوض لخدمات جمع النفايات المنزلية والنفايات المماثلة لها، والتنظيف، إلى جانب تدبير المطرح العمومي للمدينة.
وسجل المجلس، في إطار مهمة تتبع تنفيذ التوصيات في وقت سابق، أن 41 توصية من أصل 70 توصية مرتبطة بهذا القطاع لم تكن قد نُفذت خلال مرحلة التتبع المعنية، وهو ما يعكس استمرار جزء مهم من الملاحظات والتوصيات الرقابية دون تفعيل كامل.
وتتعلق التوصيات موضوع التتبع، بمجموعة من الجوانب المرتبطة بتدبير مرفق النظافة والتدبير المفوض، بما يجعل مستوى تنفيذها مؤشرا مهما على مدى استجابة المتدخلين للملاحظات التي سبق أن سجلتها المؤسسة الرقابية.
ويطرح استمرار عدم تنفيذ هذه التوصيات، تساؤلات مشروعة حول فعالية آليات التتبع والمراقبة المعتمدة لضمان معالجة الاختلالات المسجلة، خصوصا أن قطاع النظافة يرتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للسكان وبجودة الخدمات العمومية المقدمة داخل المدينة.
كما أن هذا المعطى، يكتسي أهمية خاصة في ظل الاعتماد على التدبير المفوض لتقديم خدمات جمع النفايات والتنظيف وتدبير المطرح العمومي، باعتبار أن الجماعة تظل مطالبة بضمان حسن تنفيذ الالتزامات التعاقدية ومراقبة مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
ويعيد الرقم المسجل من طرف المجلس الجهوي للحسابات، طرح سؤال أوسع حول مصير التوصيات الرقابية بعد صدورها، ومدى ترجمتها إلى إجراءات عملية على أرض الواقع، بدل أن تظل الملاحظات المسجلة ضمن التقارير دون معالجة نهائية.
وبينما تمثل التوصيات الصادرة عن أجهزة الرقابة آلية لتحسين الحكامة وتصحيح الاختلالات في تدبير المرافق العمومية، فإن عدم تنفيذ 41 توصية من أصل 70 يضع الجهات المعنية أمام مسؤولية مواصلة العمل على معالجة النقائص المسجلة، وتعزيز آليات المراقبة والتقييم وربط أداء الشركات المفوض لها بمستوى الالتزام الفعلي بالمعايير والخدمات المتفق عليها.
ومن شأن هذا المعطى كذلك، أن يفتح الباب على مصراعيه أمام مساءلة أوسع حول فعالية عقود التدبير المفوض بمدينة طنجة، ومدى قدرة آليات المراقبة والتتبع على ضمان تقديم خدمة عمومية في المستوى المطلوب تستجيب لانتظارات السكان، خصوصا في قطاع يظل من أكثر القطاعات التصاقا بالحياة اليومية للمواطنين.
.

