آخر أخبارحديث الأربعاءرأيمستجدات

انطلاق عملاق غرب المتوسط

 بقلم الأستاذ عبد الله الفردوس – 

على بركة الله، وبكل هدوء وثقة ومصداقية، وبعيدا عن البهرجة الإعلامية، وفي غمرة الحملات المسعورة على المغرب وعلى مصالحه الإقليمية، أعطيت قبل أيام إشارة انطلاق أولى تجارب واختبارات رسو سفن شحن الحاويات الكبرى العملاقة في ميناء الناضور غرب المتوسط، وبدون انتظار استكمال أشغال الشطر الثاني منه، أو حتى تدشينه الرسمي، وقبل الموعد المحدد لانطلاق خدماته في الجدول الزمني آخر هذه السنة. حيث استقبلت المحطة الشرقية للميناء أول سفينة عملاقة للشحن، واختبرت في مشاهد تاريخية رائعة وجبارة القدرات الجاهزية لجميع آلياته ومعداته، وعلى رأسها الرافعات العملاقة والذكية، معلنة، بعد النجاح الباهر لهذا الافتتاح، دخول الميناء مرحليا الخدمة. وهو الدخول الذي يؤذن بتغيير جذري لوجه المنطقة الشرقية، بما سيوفره من فرص للاستثمار والتشغيل، وما يحيط به من مركبات صناعية ومنشآت وبنى تحتية وشبكات طرقية ممتدة تفك العزلة، وتقضي على الخصاص والحرمان في الجهة الشرقية للمغرب.

لقد كان المغرب يسارع خطواته ويصارع الزمن ويصل الليل بالنهار، من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه للوفاء بالتزاماته الدقيقة بشأن إرساء مجموعة من المشاريع الهيكلية والتنموية الكبرى والبنى التحتية، التي وفر لها اعتمادات مالية ضخمة، واستثمارات وشراكات واسعة وعميقة، ومخططات قوية للربط والإدماج، ويبدو أن استكمال الأشغال حتى قبل مواعيدها المحددة لم يترك فرصة لالتقاط كل اللاهثين أنفاسهم خلف هذه المشاريع، من أجل تعطيلها وإجهاضها وقيادة حملات عدائية متعددة الجبهات والواجهات والخلفيات والعاملين عليها، وفضَحَ نواياهم المبيتة لابتزاز المغرب الجديد الذي فاتهم قطار تحجيمه وعرقلته، وأدركنا من دخول ميناء الناضور الخدمة في هذا الظرف بالضبط، وقبل استيفاء موعده المحدد، ومن الأحداث التي جرت في محيطه ومنطقته قبل شهر في معبري مدينتي مليلية وسبتة المحتلتين من تحريض واستغلال إسباني بشع لملف الهجرة السرية في ضرب المغرب والتشويش على مساره التنموي والتحرري، أن هذا الميناء وغيره من الموانئ المغربية العملاقة والمتطورة، كانت جزءا من خلفية الأحداث، ووردت الإشارة إليه ضمنيا ضمن المؤاخذات على المغرب، في الأبواق الإعلامية الإسبانية والتقارير التحذيرية من قومة المغرب ونهضته التي وصفت بالجراءة والتجرؤ والتهديد لمصالح القوى المهيمنة على غرب المتوسط، وأن دخول المغرب كفاعل قوي وناجح إلى مضمار المنافسة على الموانئ والمعابر واستقطاب التجارة العالمية إليه، ينظر إليه بعين السخط وعدم الرضى، فضلا عن الإصابة بالرعب الكبير الذي فجر كل تلك الأحقاد والإساءات والسباب والشتائم والسعارات التي لطخت طيلة شهر ويزيد وجه الصحافة ووسائل الإعلام الإسبانية، وأفقدتها صوابها، ليس بسبب من ملف الهجرة الذي ركبت عليه، بل بسبب من إرباك مخططات الهيمنة بمثل هذه المشاريع والمبادرات التحررية والتنموية.

ولا تبعد ردود الفعل العدائية العشوائية التي صوبتها العصابة الحاكمة في الجزائر تجاه دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، عن هذا الإحباط والمخاوف والرعب من تحقق المشاريع التنموية والتحررية المغربية ودخولها مرحلة الخدمة والإنتاج، والتي ساهم فيها شركاء كبار ووازنون من الأشقاء والأصدقاء، يتم اليوم استهدافهم ومحاولة الانتقام منهم بالتشويش والتشويه واختلاق الأحداث المفتعلة والأخبار الكاذبة ضدهم.

نحن نعلم انطلاقا من الفلسفة الملكية الرائدة التي وجهت هذه المشاريع الكبرى، وأشرفت على كل كبيرة وصغيرة في أنجازها، واستقطاب الاستثمارات إليها والتعبئة المتواصلة لإرسائها، والسهر المنقطع النظير لتذليل عقباتها، أن هذه المشاريع الكبرى، والعملاقة خاصة، ليست فقط مجرد مشاريع اقتصادية تنموية بل هي مشاريع مندمجة في مشروع استراتيجي تحرري أكبر يتيح للمغرب أن يكون في مصاف الدول الرائدة إقليميا وعالميا، ولاعبا نديا في الرقعة المتوسطية لتنمية علاقات تجارية وتبادلية في مستوى تطلعات شعوب المنطقة، ولوقف مظاهر التخلف والهشاشة، والتأسيس لسياسة دولية في المنطقة أساسها الربح المشترك، وغاياتها الكبرى تعزيز الاستقرار والأمن والسلام.

وبميلاد هذا الشريان العالمي المتمثل في ميناء الناضور يكون المغرب على موعد مع التاريخ لتسطير ملحمة جديدة في مسيرته التنموية والتحررية سيكون لها ما بعدها من بشائر تعود على المنطقة الشرقية المغربية أولا بالنفع العميم، استقطابا للبنيات الإنتاجية والتشغيلية والربطية التي ستدمج المنطقة في دورة جديدة من الحياة التجارية والصناعية غير المسبوقة قاريا، وستتيح الولوج من باب واسع للعديد من الخدمات والمصالح لأبناء المنطقة.

إن رهان المغرب على مثل هذه المشاريع العملاقة كرافعة لنهضته، هو رهان على الانفتاح والسلام والاستقرار في المنطقة، وليست موجهة ضد أي كان، وحري بالذين يضعون سيناريوهات للتشويش عليها، والترويج لخطورتها عليهم والقلق والخوف الوهميين على مصالح شعوبهم، أن يدركوا أن الخطورة الحقيقية في المنطقة تتمثل في هذا العطب التنموي والتحرري على حدودهم وبواباتهم، والذي يفاقم أزمات الهجرة والتجارة في البشر والممنوعات والتهريب والكساد والفساد والإرهاب، وينذر بخراب الدول والأمم.

لقد فتح المغرب طريقا إلى المستقبل، وعبدها للعبور الآمن والمرور الناجح، والمبادلات الرابحة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وليس في قطع الطرقات والعلاقات، والدعوة إلى إغلاق المجالات والأجواء، وتهديد المعابر والممرات والمضايق بالحروب والدسائس والكوابيس… فإياك نعني واسمعي يا جارة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock