لم يقم النظام الإيراني وزنا لا لتعهداته بشأن التوقف والكف عن استهدافه لأمن واستقرار الدول العربية التي يقصفها يوميا بالصواريخ والمسيرات، ولا لبيان جامعة الدول العربية الذي أجمع على إدانة الأعمال العدائية للنظام الإيراني ضد كل دول مجلس التعاون الخليجي وجمهورية العراق والمملكة الأردنية، التي تجاوزت الخطوط الحمراء في الاستفزاز والمغامرة والمقامرة، إلى تخريب هذه الدول بأقصاف عشوائية، لم تستهدف بنيات عسكرية ولا قواعدها، بالقدر الذي استهدفت وبشكل سافر المناطق المدنية والسكنية والبنيات التحتية والطرقية من مطارات وموانئ وسكك حديدية وفنادق ومنشآت الطاقة والصناعة والخدمات ومقار السفارات والقنصليات…وهي الأعمال التخريبية التي تخرج إيران عقبها لتبررها على أنها لا تقصد بها شعوب ودول المنطقة بالقدر الذي ترد بها على الحرب الأمريكية المعلنة عليها، والحال أن المتضرر الأول والمباشر من هذه الأعمال العدائية والتخريبية هو هذه الدول والشعوب وضيوفها من المقيمين والزائرين والمستثمرين، بل المتضرر الأول هو الأمن القومي العربي المشترك الذي يفرض ميثاق الجامعة العربية حمايته والدفاع عنه واعتبار أي اعتداء على أمن وسلامة دولة عضو في هذه الجامعة اعتداء على كافة الدول الأعضاء، فكيف إذا اتسع نطاق الاستهداف والهجمات ليشمل أكثر من سبع دول بل ليشمل كل الدول العربية وجودا وحدودا.
فمباشرة بعد تأكيد بيان اجتماع مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري المنعقد يوم الأحد الثامن من مارس الجاري، وصدور تعهدات كاذبة من النظام الإيراني بعدم استهداف الدول المعتدى عليها مرة أخرى، مضى هذا النظام الغاشم في غيه وتحلله من التزاماته بوقف العدوان، للعبث من جديد بأمن هذه الدول لتكون الحصيلة الجديدة ابتداء من أول أمس الإثنين، استهداف العراق والمملكة العربية السعودية ومملكة البحرين بأقصاف إيرانية جديدة ومتجددة لمناطق مدنية آمنة وآهلة، خلفت خسائر في الأرواح والممتلكات، وجدد بها النظام الإيراني البائس والبائد غدره وطعنه في جواره العربي، واستهتاره بمسؤولياته والتزاماته بوقف أعماله العدائية غير المشروعة، والكف عن التدخل في شؤون الدول وسيادتها.
لسنا في حاجة إلى ذرائع لتبرير هذا السلوك العدواني أو الاعتذار عنه أو التماس مخارج له، أو اعتباره مجرد اختلاط للحابل بالنابل في صراع أوسع يتجاوز العلاقات العربية الإيرانية، لأنه سلوك ثابت ومتأصل وبنيوي في نظام لم يُبْدِ يوما، منذ إنشائه، أية نوايا حسنة تجاه جواره العربي الذي استهدفه، منذ سنواته الأولى في حكم إيران، بحروب مدمرة وتخريب وتصدير للثورة والفوضى، وقتل للأبرياء، من العراق إلى اليمن وسوريا ولبنان وهلم سيرة ومسارا ممنهجين ومتصاعدين في الهيمنة والجبروت والكهنوت. إن التدخل في الشأن العربي واستهداف أمن الدول العربية واستقرارها ووحدتها الترابية وسيادتها هو خيار سياسي وإيديولوجي لنظام قائم أصلا على شحن المنطقة وحشدها لخدمة مشروع تخريبي وتحقيق حلم تاريخي وأسطوري في الانتقام المذهبي والطائفي. ولهذا لا يمكن تفسير الاعتذار الإيراني عن العدوان ثم إتباعه مباشرة باعتداءات أشد، إلا بهذه الخلفية الطائفية التي تتبنى إلى جانب الخدعة الحربية نفاق التقية الدينية، وفساد الذمة الأخلاقية، واستباحة الكذب والغش في معاملة الآخرين من غير طائفة هذا النظام الطائفي.
فما لم تجتمع كلمة الدول العربية على ردع هذا النظام العدواني وإلزامه بالقوة التي يؤمن بها ويريد الاستيلاء عليها واحتكارها لنفسه، باحترام القانون الدولي وأصول المعاملات بين الدول، فضلا عن الاتفاقيات والمواثيق والعهود الدولية والإقليمية والعربية والإسلامية الملزمة باحترام سيادات الدول ووحداها الترابية وأمنها واستقرارها، لا يمكن لهذا النظام المستعرض الدائم لعضلاته والمتوعد بالقنبلة النووية أن يتوقف عن تحقيق مشروعه في الهيمنة والوصاية، وحلمه بتفكيك الدول وضمها لحلف الأئمة والمراجع المقدسة، ولا أن يبني علاقات طبيعية وسوية مع الدول والشعوب العربية التي عانت وتعاني من ويلات العربدة الإقليمية لهذا النظام وعصفه باستقرار وأمن وسلامة محيطه وجواره العربي والإسلامي.
وقف زحف هذا المشروع العدواني المتصاعد للنظام الطائفي الإيراني، لا يتحقق إلا برد هذا النظام إلى حجمه الطبيعي، ونزع شوكته التي كانت على العرب والمسلمين لا معهم، ومنعه بالقوة، وليس فحسب بالمعاهدات والاتفاقيات التي لم يحترمها ولن يحترمها أبدا لأنها عائق أمام مشروعه التوسعي والطائفي.
نحن أمام اختبار صعب لمواقفنا الثابتة من نصرة قضايا الأمة ووقف العدوان عليها من أي كان، والانخراط مع المجتمع الدولي في إرساء أسس سلام عادل ودائم وشامل في منطقتنا، ومن ثمة وكما لا ينبغي أن تترك صواريخ ومسيرات النظام الإجرامي الإيراني آمنة في سربها، تتساقط نارا ودمارا على المدن العربية العامرة، فإنه لا ينبغي كذلك أن تترك شعوبنا فريسة قذائف الدعايات التضليلية الإيرانية المتصاعدة، باستغلال العواطف الدينية لهذه الشعوب ومشاعرها القومية في نصرة المظلومين، عن طريق خلق مظلومية كاذبة وخادعة حول استهداف الأمة باستهداف إيران “المقاوِمة والصامدة”، والحال أنها غارقة في أعمالها الابتزازية والتجارية والتربحية باسم وصايتها على الأمة.
إن شعوب ودول المنطقة العربية لا يمكنها أن تعيش في سلام وأمن وأمان وتلتفت إلى مصالحها ونمائها والذود عن حياضها والحفاظ على استقلالية قرارها وعلاقاتها الدولية السليمة، في ظل مساعي هذا النظام الإيراني المتواصلة لتغيير موازين القوى في المنطقة لصالح مشروعه التوسعي والعدائي والانتقامي بكل ما أوتي من قوة وحيلة وخدعة وتقية وتضليل، وحتى طمأنة كاذبة بنزول الصواريخ الإيرانية بردا وسلاما على الدول العربية، فإذا انضاف إلى هذا الخبث والتسلط والسقوط الأخلاقي، تملك أسلحة الدمار الشامل والقنابل النووية، فلننتظر الأسوأ لدول تريد أن تعيش في طمأنينة وسلام مع نظام يتنفس الكراهية والعنف ورائحة البارود ويتغذى من رؤية الدماء والأشلاء وتلوث الأجواء.
إن خيارات الرد على التجدد المتواصل للأعمال العدائية الإيرانية، هي في امتلاك الدول العربية لأسباب القوة والمنعة والجاهزية القصوى للردع، مع امتلاك شعوبها وعيا ناضجا بالتحديات التي يواجهها عيشها المشترك في ظل دولها ومؤسساتها القومية والوطنية المشروعة ومقدساتها وثوابتها، وضمن قيمها الحضارية والدينية والإنسانية المشتركة. والخروج إلى الحياد في هذه المعركة المصيرية مع كيان لن يتوقف عن استهداف أمننا ووحدتنا الترابية وسلامة أراضينا، هو مغامرة ومقامرة بمصير أجيالنا القادمة التي تنتظرها مقاصل ومذابح مهدي هذا النظام ومرشده الذي يهيئ له برنامج الظهور والخروج، ويمهد له الطريق. ولأن الأمر بهذه الخطورة الشديدة وبهذا العبث الكبير بمصائر الأمة ومستقبل شعوبها، كان الصوت المغربي شديد اللهجة وحازما، ليس فحسب في إدانة العدوان الإيراني المخزي، بل في التضامن والعمل العربي المشترك من أجل وضع حد نهائي للعدوان، ورسم نقطة فاصلة وحاسمة ورادعة وخاتمة على قفا مرشدين إلى النار.

