آخر أخبارحديث الأربعاءرأي

عاقبة المجرمين

لم يكن نظام ولاية الفقيه شأنا سياسيا داخليا للحكم في إيران حصرا، فقد أقيم هذا النظام في البداية على أساس توسعي لتصدير الرعب إلى منطقته وجواره والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية والإسلامية باسم وصاية مزعومة على الأمة وولاية ونيابة عن إمام غائب صاحب الزمان يتم التمهيد لإعلان دولته ورفع رايته، عن طريق تصدير دعوته بالقوة باسم الزحف الثوري على عدوه وتنفيذا لأجندة أيديولوجية مشبعة بتراث من الأحقاد التاريخية والانتقامات الموروثة، التي لم تكل ولم تمل من استغلال القضايا التحررية العادلة لشعوبنا وعواطفها الدينية والقومية النبيلة والمندفعة، من أجل زعزعة أمنها في أوطانها واستقرار مؤسساتها ودولها، وبهدف جرها إلى المشروع التخريبي والظلامي للنظام الإيراني، الذي أساء تقدير حجم قوته وتهافت نظرياته في الثورة والدولة والحكم والولاء والبراء والحريات والحقوق والمقاومة والصمود.

ولأن مشروع الدولة في نظام الملالي وولاية الفقيه يتجاوز حدود إيران ويتغذى من الحروب والتوترات والأزمات مع الدول، فإنه لم يقم وزنا للدعوات إلى إقامة علاقات دولية سلمية، وعلاقات حسن الجوار، على أساس الاحترام المتبادل والسلام والعيش المتقاسمين، وتبادل المصالح والمنافع، والسعي في إعمار الأرض بالخير والعدل والصلاح والتهدئة، وإنما دخل هذا النظام على الصراعات في منطقته وجواره، بالاستثمار فيها وتغذيتها وخلق مزيد من التوترات الإقليمية والدولية، انتهت إلى عسكرة العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة وشيطنة قادتها ومؤسساتها، وتفريخ الانشقاقات في الصف العربي والإسلامي، وتقديم المنطقة العربية والإسلامية لقمة سائغة لكل المتربصين بها من غزاة ودعاة على أبواب جهنم، إلى أن صارت دول آمنة وشعوب مستقرة، بسبب من هذا التهور الإيراني، بؤرا للفوضى والرعب والخراب والعطالة السياسية والاقتصادية والتنموية والحقوقية…ولنا خير مثال عنها في مآسي العراق واليمن وسوريا ولبنان وفلسطين التي اقتحمت إيران شؤونها السيادية والترابية وعاثت فسادا في مصالحها الأمنية والسياسية والروحية ونسيجها الاجتماعي، حتى أسقطتها وهوت بها إلى الحضيض، وأعادتها مئات السنين إلى الوراء، ناهيك عن الدماء البريئة الغزيرة التي سفكت على المذابح والمسالخ التي نصبها نظام الملالي في منطقته وفي جواره القريب والبعيد، وكادت تشمل كل أوطان المسلمين شرقا وغربا، لولا بعض المقاومات الوطنية والسيادية التي تصدت لمخططات محور الشر الإيراني المتحالف مع كل محاور الشر الأخرى المتربصة سوءا بالقضايا العادلة لشعوبنا ودولنا في التحرر والتنمية والسلام.

وحتى بلادنا المغربية التي هي أبعد نقطة جغرافية عربيا وإسلاميا عن المحور الإيراني التوسعي من جهة الغرب، لم تسلم من الاستهداف، ولم تأمن شر هذا النظام العدواني الذي ناصب بلادنا عداء مجانيا مستطيرا، بتحالفه مع ميليشيا البوليساريو ومدها بالسلاح والعتاد والتدريب والدعم والاعتراف، لاستهداف وحدتنا الترابية وتقسيم بلادنا وإلحاقها ببقية البلدان العربية التي فككتها مخططات الفتنة والتقسيم والتحريش الإيرانية، وتسليط الحشود الانعزالية والانفصالية والإقصائية والميليشيات المسلحة والأذرع عليها.

 كان لا بد لنظام حاقد بائس طائش بهذا المستوى المنحط أخلاقيا وسياسيا في الطغيان والاستبداد والتطاول، والجرأة على تخطي كل الحدود والقوانين والشرائع، أن تقيض له الأقدار من يسقيه من سلوكه وأعماله العدائية ما سيتجرعه ذنوبا وآثاما في حق شعوب آمنة في أوطانها، شردها في الآفاق وقتّلها، وحول أمنها واستقرارها إلى جحيم مقيم، ليكون الخراب هذه المرة عليه ويرتد كيده إلى نحره ويسام سوء عاقبة المجرمين.

ليس من عادتنا أن نشمت في انكسارات وانتكاسات وخسارات الآخرين، مهما كانت خصومتنا معهم، لأننا لا نبني أمجادنا كما تبنيه العصابات والميليشيات والطغاة في الأرض على الأنقاض والدماء ومعاناة الأغيار، وإنما على التعاون ومد اليد وزرع الخير والعدل والتقريب بين الشعوب وتبادل المصالح ورعايتها، واحترام الأوفاق الدولية والشرائع الإنسانية والعلاقات الدولية، والجنوح للسلم والحوار والتفاوض وإيثار الحلول، مهما كانت قاسية على ما سواها من توسيع رقع الخصومات والنزاعات والتعنتات والحروب…

ثمة مشروعان لا ثالث لهما في منطقتنا؛ مشروع محور الشر، الذي ينتمي إليه نظام الملالي ويعتبر أحد تجلياته في عالمنا العربي والإسلامي، وهو محور يوثر الحروب والفتن، والغدر والطعن والبغي، والعنف والكراهية والقطائع، والتدخل في شؤون الدول وأمورها السيادية، ووحدتها الترابية ومقدساتها واستقلال قرارها، لفرض خيارات وإملاءات عليها، ومشروع التعاون والشراكة وتبادل المصالح والمنافع بين دولنا وشعوبنا، ومد الجسور بينها، وإزالة العوائق والحواجز والعوارض، وحل المشكلات والمعضلات والنوازل مهما بلغ تعقيدها وخطورتها بالحوار والتفاهم والتفاوض ونبذ العنف والكراهية، وتعزيز فرص السلام، وهو المشروع الذي تدافع عنه النوايا الصادقة في منطقتنا العربية والإسلامية، ويتبناه المغرب نهجا سديدا وقويما في علاقاته الدولية والعربية والإسلامية.

مشروع انغلاقي للتخريب والفناء، ومشروع آخر انفتاحي للبناء والبقاء، هما اليوم دول بين الناس، وستكون دائرة السوء مهما طال الزمان، على من غير وبدل في سنن الله في الأرض التي ضرب الله مثلا لصراع الباطل والحق فيها بالماء: ” فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”، فهل يمكث زبد نظام الملالي وحلفائه في المنطقة أكثر مما مكث قرابة نصف قرن من تزييف الوعي الديني والقومي، والتلاعب بعواطف العامة والخاصة وابتزاز الجماهير وتضليلها، والمتاجرة بمقدسات الأمة، والعبث والعربدة والضجيج، والدماء المسفوكة، والأوطان المخربة، والشعوب المهجرة، والكفاءات المشردة والثروات المبعثرة؟ لن يكون ذلك وفي الشعب الإيراني الأبي الذي خرجت جموع منه من تحت عباءة الرعب والخوف المسلطين عليه، للترحيب بسقوط طغاة طهران وأزلامهم، بل وفي الإنسانية جمعاء بقية خير، وانتصار للحياة، ومقاومة للاستبداد والظلم، وصرخات ودعوات المظلومين التي ليس بينها وبين الله حجاب.

إن ما أقدمت عليه عصابة الملالي في طهران وحلفائها من البغاة والأزلام من تسريع وتصعيد وتيرة أعمال الشر والعنف والكراهية والأحقاد التي كشف عنها في استهدافها الصارخ والجنوني والعشوائي للدول والشعوب العربية المجاورة بالعدوان على سيادتها وأمنها واستقرارها وانتهاكها لأجوائها وقذفها للأسواق العامرة والتجمعات السكنية المأهولة والمطارات العاملة والبنيات السياحية والعمرانية ومصافي النفط بالصواريخ الحارقة والمدمرة، رغم ما يربط هذه الدول وإيران من العهود والاتفاقيات المانعة من العدوان والانتهاك، بعد عجز نظام الملالي عن تدميرها من الداخل وتخريب نسيجها الوحدوي الوطني، هو من أعظم الأمثلة عن سوء خاتمة مشاريع الشر والعدوان في منطقتنا، والتي ترتد على أصحابها في عقر ديارهم، وتهزمهم في أرواحهم ونفوسهم، وتردعهم، وتصيبهم بما راموا أن يصيبوا به غيرهم من قتل ودمار وهلاك، والعاقل من بقايا حلفاء هذا النظام الحاقد البائد، في عالمنا العربي والإسلامي، من اتعظ بمصيره المظلم وعاقبته الوخيمة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock