آخر أخبارحديث الأربعاءرأي

إعادة تقييم العلاقات

تفرض تداعيات الحرب الإيرانية الأمريكية، على الدول العربية والخليجية خاصة، المستهدف الأول والأخير من التصعيد العدواني والانتقامي لنظام الملالي في إيران، إعادة تقييم العلاقات مع هذا النظام الغادر، وإعطاء الأولوية القصوى لإعادة بناء وعي جديد بالأمن القومي العربي المهدد من قوى إقليمية تصر على رهن هذا الأمن بأجنداتها ومصالحها الضيقة، وبمشروع تخريبي في المنطقة العربية، متعارض تماما مع مشاريع السلام والأمن والبناء والاستقرار، ومناهض للعيش المشترك ومعيق للوحدة والتضامن والتعاون وتبادل المصالح.

فمنذ قيام هذا النظام في أواخر سبعينات القرن الماضي وبدعم من قوى استعمارية غربية، استأثر الهجوم على الدول العربية واستهداف مقومات سيادتها وأمنها بالنصيب الأوفر من حروبه على العالم، إن لم نقل إن هذا النظام لم يدخل في أية حرب طاحنة إلا مع دول جواره العربي بدءا، من أول أيامه في حكم إيران، التي استهلها بالحرب على العراق والتي لم تتوقف طيلة ثمانية سنين إلا بعد ما خلفته من دمار وخراب في المنطقة ومليون قتيل وآلاف السجناء والمعطوبين والأرامل واليتامى، والغريب أن هذه الحرب الأولى لنظام الملالي على العراق لا تزال إلى غاية اليوم توقع ضحايا في صفوف مئات من المدنيين الذين تصطادهم الألغام المزروعة والمقذوفات التي لم تنفجر حينها، لتحولهم إلى أشلاء وحطام.

كان نظام الملالي قبل أن يوقف مرغما حربه، ويتجرع السم الزعاف، رغم كل هالات القداسة ووعود النصر الإلهي التي بارك بها خميني إيران حربه على العراق، قد كرس في أذهان الإيرانيين وعدد من المغرر بهم من العرب والمسلمين شعاره المضلل “أن الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء” قاصدا بذلك جعل أراضي العراق والدول العربية هدفا للدك وتعبيد الطريق نحو تحرير القدس، الأمر الذي نفذ بعد ذلك في العراق نفسه وفي سوريا وفي لبنان وفي اليمن، وينفذ اليوم باستهداف دول الخليج العربي بحرب قذرة وشاملة لزعزعة أمنها واستقرارها وتخريب أوطانها وسفك دماء مواطنيها، مع أن من ضمن هذه الدول الخليجية المستهدفة دول تربطها علاقات وعهود واتفاقيات ومصالح مشتركة مع هذا النظام الخبيث الغادر.

لقد وجد نظام الملالي في شعار “القدس الشريف” و”فيالق القدس” ضالته لابتزاز عواطف العامة من العرب والمسلمين، وللإيهام والإيحاء بعرقلة الدول العربية للمشروع التحريري للأرض ونصرة الإسلام وفلسطين… ولفرض إملاءات ووصايات في المنطقة، والحال أن كل حروب هذا النظام ومؤامراته لم تسقط لا إسرائيل ولا أمريكا التي واجهتها بشعارات ثورية ملهمة وملهبة للعواطف من مثل: “الموت لأمريكا والموت لإسرائيل”، بينما واجهت  ملايين من رجال ونساء وأطفال العرب والمسلمين في العراق وسوريا واليمن ودول الخليج العربي بالقتل والحرق وتدمير الديار وتشريد ملايين من أبناء المنطقة في قارات العالم، ناهيك عما كان هذا النظام يرتكبه عقودا من الزمن من فتنة في البقاع المقدسة وأيام الحج الأكبر، وما ينشطه من خلايا إرهابية نائمة ويموله من أذرع وميليشيات وفيالق وحشود عقد لها ألوية الحرب وأسقط بها دولا في الفوضى والطائفية.

وإذ يعيد هذا النظام المنحط بكل المقاييس الأخلاقية والسياسية، تركيب نفس الأسطوانة الفلسطينية التضليلية والمزيفة على هجماته الإجرامية المتصاعدة على دول الخليج العربي، ردا على القصف الأمريكي لإيران، فإنما يعيد تكرار السردية نفسها على أن الطريق إلى القدس الشريف وإلى قلب العالم الإسلامي المتمثل في الكعبة المشرفة، يكمن في دك دول الجوار وضم نخبها وشعوبها إلى المشروع الطائفي لنظام الملالي وولاية الفقيه ووصاية شيعة الرفض على الأمة. فمعركة هذا النظام الطائفي ليست ضد إسرائيل، ولا من أجل قدس وأقداس المسلمين، إلا من جهة ما يشكله الحدث الإسرائيلي الطارئ من غطاء خادع مناسب لتبرير الحروب على العالمين العربي والإسلامي، إذ ليس للقدس العربية والإسلامية ومدينة السلام والتعايش بين الأديان أي حرمة أو قداسة في عقيدة نظام الملالي، المناهضة أصلا لتراث مدينة القدس السنية. فالقدس في حقيقة هذه الخدعة الإيرانية الرافضية هي طريق لا هدف: طريق إلى كربلاء بكل ما ترمز إليه من عودة أشباح الماضي المؤلم.

إن الدول الخليجية ولا العربية التي تتعرض للتصعيد العسكري من نظام الملالي والقصف الناري المتواصل لمنشآتها الحيوية وخزانات وقودها وموانئها ومطاراتها وفنادقها وبناها التحتية وعماراتها، غير مسؤولة عن كل هذه الأحقاد والمؤامرات التاريخية التي حولتها ولاية الفقيه إلى عقيدة للدولة، ولا هي مسؤولة عن الحرب الأمريكية على إيران، كما أنها ليست مسؤولة عن الاختيارات الأيديولوجية والسياسية العدائية لنظام ولاية الفقيه، فهو المسؤول أولا وأخيرا عن أي دمار يُلحقه بنفسه، ولا يمكنه بتاتا أن يبرر هجوماته بالصواريخ والمقذوفات والمسيرات بأنه يستهدف المصالح الأمريكية في دول المنطقة أو يتحرى القواعد العسكرية الأمريكية فيها، في محاولة منه لاستمالة شريحة واسعة من مواطني وإعلام هذه الدول نحو قضية مزورة ومزيفة ومضللة، فلا المصالح الأمريكية ولا قواعدها العسكرية ضربت وقصفت وتأثرت، لأن المتأثر بالفعل هو أمن واستقرار ومصالح هذه الدول العربية الخليجية الآمنة في سربها، والتي ظلت إلى غاية اندلاع الحرب تنأى بنفسها عن جعل أراضيها وترابها منطلقا لحرب بالوكالة عن إيران أو عن أمريكا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن ما يروجه نظام الملالي عن رفض القواعد العسكرية الأمريكية في دول المنطقة أو عن الاستياء من العلاقات الطبيعية والمصالح المشتركة بين هذه الدول والدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، شأن داخلي لهذه الدول في اختيار شركائها وحلفائها وشراكاتها الدولية وتعاونها الدولي، ولا يمكن لا لإيران ولا لغيرها أن تملي على دول مستقلة في قرارها وراعية لمصالحها الإقليمية والدولية إملاءات ووصايات ودروسا، خصوصا من نظام جار جائر يكدس الأسلحة لمعركة كبرى ليست معركتنا، إن لم نكن نحن المقصودون بها وحطبها، وكل همه في أن يجهز لنفسه ولمشروعه التوسعي والطائفي أسباب القوة والمنعة العسكرية الهجومية من صواريخ بالستية وعابرة للقارات ومن برامج تخصيبية لليورانيوم، ومن ميليشيات وفيالق وحشود وعصابات تَدَخُّل مبثوثة في دول الجوار والمنطقة العربية، ليس لمواجهة أمريكا ولا انتصارا لمظلوم، وإنما لإخضاع الدول العربية والإسلامية، وإنهاكها بالحروب والفتن إلى حين إسقاطها وضمها إلى المشروع الرافضي التوسعي.

ما يحز في النفس أن عددا من مواطنينا وإعلامنا في الدول العربية، لازالوا مخدرين بحيل ودسائس شعارات المقاومة والثورة والصمود الإيراني في وجه العدوان، ولا زالوا يُقبِلون على استهلاك المنتوج الدعائي الإيراني المدغدغ للعواطف والمشاعر، عن مظلومية الحمل الإيراني الوديع، الذي يواجه وحده وبشموخ عدو الأمة بإيثار وتضحية، مقدمين بذلك ظهورهم موطأة لركوب نظام الملالي عليها إلى ديارهم ليجوسوا خلالها فسادا وخرابا.

لقد آن الأوان في هذه الشدة والحرب المفروضة من قبل السياسة العدوانية الإيرانية، التي سيرت ما يزيد عن ثلاثة آلاف هجوم بالصواريخ والمسيرات على الدول العربية الخليجية في ظرف قياسي لا يتعدى أسبوعين، أن تعيد دولنا تقييم علاقاتها بالنظام الإيراني الغاصب، بناء على النوايا السيئة الخطيرة التي أظهرها ولا يزال، في أقصافه للمطارات والموانئ والفنادق والتجمعات السكنية، ثم آبار النفط وخزاناته، تحت ذريعة وخدعة استهداف المصالح الأمريكية. مع كل التثمين الكامل والاعتزاز التام بالموقف المغربي الأصيل والمبدئي والثابت والذي لم يتردد في تسمية العدوان بالعدوان، وفي الاصطفاف مع دول الخليج العربي في نفس الخندق، معتبرا أمنها من أمننا، مؤكدا على الالتزام، ولو وحيدا، بقطع العلاقات مع هذا النظام الطائفي الخبيث، إلى حين نزع شوكته وقلع أنيابه وتقليم أظافره المسلطة على دولنا وشعوبنا بالتحديد، أو زواله إلى غير رجعة، غير مأسوف عليه.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock